تصنيفات المسلمين لعلوم العربية

 

  1. المقدمة

وضْع التصانيف والموسوعات ودوائر المعارف على يد علماء المسلمين من أمثال الفارابي وابن سينا والغزالي وابن النديم وغيرهم أنشأ حركة لها كبير دويّ لا في العالم الإسلامي فحسب بل في العالم بأسره. والتصدّي لهذا العمل يثمر من دون ريب ثماراً ناضجة يتمتع بها جميع من يعمل في الحقول المعرفية أو يريد المزيد من المعلومات. فعملية التصنيف مهّدت الأرضية المناسبة لاجتياز مهالك الجهل وانتقاء طريق علمي معبّد وعلى بصيرة لمن قصد السلوك في هذه الميادين وشمر عن سواعد الهمة. وقد احتلت علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وخط وشعر وآداب، مكانتها في هذا المشروع الذي امتدت أجنحته إلى يومنا هذا. لكن هذا الجانب التصنيفي رمي في مخيّم الغموض والظلام على الرغم من الأهمية التي يحتظي بها، والمهمة التي يتكفلّها. وكأن هذه علوم العربية انصهرت وانسالت في هذه التصانيف عن لاوعي من دون أن يلتفت إليها أحد أو من دون أن تعار اهتماماً لائقاً.

تأتي أهمية البحث في الكيفيات التموقعية لعلوم العربية في التصانيف من أنها تكشف القناع عن ضرورة تعلّم علوم العربية وتعليمها لدى الطالبين ثمة أنه يساعد على الاطلاع عن مدى أهمية هذا الحقل المعرفي في غابر الأعصار ولدى عباقرة الزمان ما ينتج معرفة حقيقية عن ماهية هذا الفرع وفنونه ومساراته الوظيفية.

هنالك دراسات عديدة تناولت جوانب التصنيف التقليدي الإسلامي سواء على المستويات التنظيرية أو في الحقول التطبيقية؛ منها:

مذكرة ماجستير المعنونة «التصنيف الموضوعي عند علماء العربية القدامى في ضوء نظرية الحقول الدلالية (فقه اللغة وسر العربية لأبي منصور الثعالبي أنموذجاً)»، إعداد ياسين بغورة، قد عالج فيه كيفيات التصنيف الموضوعي لدى العلماء العربية لاسيما الثعالبي وقد ركّزت هذه الدراسة فيما ركّزت على الدراسات اللغوية والفونيمية وعلم الأصوات لدى “الثعالبي” ثم أقام البحث مقارنة رائعة بين العلوم اللغوية في التراث وبين التقنيات اللغوية المعصرنة.

وبحث آخر بعنوان «منطق تصنيف العلوم في نظم التصنيف العربية والإسلامية: قراءة تحليلية مقارنة بنظم التصنيف الغربية الحديثة»، للباحث بسيوني سالم، استقرى هذا البحث ما تنطوي عليه فكرة التصنيف العربي الإسلامي وفكشف عن حجرها الأساس وقارن مبادئها بما وجد عند مباني التصنيف المستحدث المعصرن.

وبالفارسية المقالة: «دانش طب و طبقه­بندی علوم در تمدن اسلامی» للباحث شریعت­پناهی، قد عمل هذا البحث في تحديد مكانة علم الطب في التصنيف الإسلامي وقد أبلي بلاء حسناً وقد جاد بجدّه وأجاد.

ومقالة: «دو گونه طبقه­بندی علوم در نگاه اخوان الصفا وخلان الوفا»، للباحث حامد جوكار، عالجت هذه المقالة ملامح التصنيف ومراياه من واجهة إخوان الصفا وخلان الوفاء وقد رسم الباحث خطاطة بحثه في ثنائية تجلت في رؤية إخوان الصفا إلى تصنيف العلوم.

وبجانب هذه النماذج التي أشير إليها في لمحة عين، يمكن وضع جميع إنجازات الموسوعيين من أمثال الفارابي والخوارزمي وابن النديم وغيرهم في هذه القائمة كخلفية دسمة للبحث.

أما التصنیفات الحديثة کتصنیف علوم الریاضیات والحاسوب والفيزياء والنجوم والاقتصاد فلیست موضوع هذا البحث الذي يدور في مدار الكيفيات التصنيفية التقليدية الكلاسيكية.

 

  1. التصنيف لغة واصطلاحاً

«التصنيف لغة: يقال صنّف الشيء، أي جعله أصنافاً، وميّز بعضه عن بعض، والصنف بكسر الصاد أو فتحها، هو النوع أو الضرب، والجمع أصناف وصنوف. واصطلاحاً: التدرج من أعمّ الموضوعات إلى أخصّها ليحصل بذلك موضوع العلوم المتدرجة تحت ذلك الأعمّ» (عبد الغني، 2012م: ص 7). ويظهر «أن التصنيف هو تقسيم المعرفة إلى أبواب وفصول وأنواع وأجناس في محاولة لبيان العلاقة التي تربط كلاً منهما بالآخر، موضّحاً مكان كل علم بالنسبة للعلوم الأخرى، كلبنة في بناء المعرفة ككل، ويقصد بذلك ترتيب العلوم في مجموعات متميزة، وفي تسلسل وفقاً لنظام معين. إن علم التصنيف في الإجمال هو أداة تنظيمية للمعرفة، تسعى إلى ترتيب العلوم، وحصر موضوعاتها ومناهجها وفق تصور فلسفي معيّن» (المصدر نفسه: 8).

ومن منظور آخر «التصنيف هو جعل الأشياء أصنافاً وضروباً على أساس يسهل معه تمييزها بعضها من بعض، أو أن ترتب المعاني بحسب العلاقات التي تربطها بعضها ببعض. ومن ثم، فإن تصنيف العلوم هو العلاقة المتبادلة بين العلوم ومكانها في نسق المعرفة الذي تعينه المبادئ المحددة التي تعكس صفات الموضوعات التي تدرسها العلوم المختلفة، والتي تعكس أيضاً الصلة بين هذه الموضوعات» (سليمان، 1996م: ص 13). والرؤية المعرفية تسلط الأضواء على أسس التصنيف وتوزعها على فئتين؛ هما: التصنيف الموضوعي والتصنيف الذاتي. فالأول ينتبه إلى العلوم على أنها تتناول حلقات موضوعية متباينة والثاني يأخذ برقبة العلوم على أنها تسد حاجة من حاجات الإنسان وترفع هماً من همومه (راجع: المصدر نفسه) .

«وقد وضعت لعملية التصنيف تعريفات عند المسلمين منها تعريف طاش كبري زادة الذي عرّفه بقوله: هو علم باحث عن التدرج من أعمّ الموضوعات إلى أخصّها ليحصل بذلك موضوع العلوم المتدرّجة تحت ذلك الأعم» (العمري، د.ت: 290).

 

  1. لا علم بدون التصنيف

قضية التصنيف تشكل الحجر الأساس للتوليد العلمي أو إنشاء العلوم مهما كانت. وهذه لفتة لابد أن تحلّ محلّ المعلّقات على كعبة الأذهان أو تعدّ بحسبان كالعقد الفريد في الأكوان على أن الخيط العلائقي الذي يوصل مفاصل العلوم بعضها لبعض ويؤَمّنُ تماسكها ويحول دون ذهابها أدراج الرياح وانفكاك عراها هو التصنيف. فوضع الخطوط الماسحة على التصنيف في أي قولبة علمية يزعزع أركان ذاك العلم ويبعثره حتى يصبح رميماً لا لفّ لنشره ولا حياة بعد موته. فيضرب بعلم الصرف مثالاً إضاءة لغموض ما وَرَدَ ورَدّاً على من لجّ وعَنَدَ. فـ “الصرف” لم يكن إلا إشادة لتقاسيم الكلمة ومناويلها الجمة و”الفقه” لا تقوم له قائمة إلا أن ينشق انشقاق القمر وينصبّ في اتجاهي الحلال والحرام على ما ورد. ويسجل البحث الكلمة الذهبية لهذه الفقرة ويهتف بقوة على أنه: «لا علم بدون تصنيف».

 

  1. أهمية تصنيف العلوم

أحس العالم العربي بضرورة تصنيف العلوم بعد العصر الذهبي الذي أنتج علوماً متكاثفة متراكمة لا يُدرى أين طرفاها؛ فبرزت ضرورة تلخيص العلوم ووضعها في أنظمة موحّدة، تتجلى فيها الفروع والغايات والمنافع في نطاق شامل (راجع: سليمان، 1996م: ص 20).

فــ«تصنيف العلوم قدّم لطلاب العلم ومحبي المعرفة كيفية التعرّف الصحيح على موضوع العلم الذي يريدون أن يتعلّموه، ومكّنهم من أن يوازنوا بين العلوم ليعرفوا أفضلها وأوثقها وأتقنها. كما ساعد على تشييد أسس متينة لمواصلة البحث العلمي والتأمل، واستمرار تحصيل المعارف الجديدة. مما ساعد على ازدهار الحضارة الإسلامية وتقدّمها» (سليمان، 1996م: ص 20).

و«تبرز فكرة تصنيف العلوم في فترات تاريخية معيّنة، تتميّز بخاصّيتين أساسيتين: الأولى: تزايد الكم المعرفي تزايداً كبيراً، الثانية: استمرار حدوث التقسيمات في فروع المعروفة المختلفة وتشعب فروع أخرى أصغر منها تحتها أو بجانبها. وبما أن العقل الإنساني يميل دائماً إلى التجريد، ومن ثم إلى الوحدة، كما أنه يسعى إلى تحقيق الانسجام وسط الفوضى، فإن محاولات ضبط العلوم وفروع المعرفة، المختلفة والمتنامية باستمرار، في نظام منطقي معقول، لم تتوقف على مدى العصور، ولعل هذا يفسر لنا أحد الدوافع الفلسفية وراء “تصنيف العلوم”. وإلى جانب هذا الدافع الفلسفي، يقف وراء تصنيف العلوم عدد آخر من الدوافع العلمية التي لا يمكن إغفالها، وأهمّها: إعداد المواد التعليمية وتوزيعها توزيعاً مناسباً على سنوات الدراسة المختلفة، فضلاً عن أن هذا الجانب يحقق للمجتمع التوازن المطلوب بين فروع المعرفة الأساسية (التجريبية والإنسانية)، كذلك تصنيف العلوم يساعد كثيراً على نجاح المكتبات، وترتيب فروع المعرفة التي تشتمل عليها لتسهيل الإفادة منها، وأخيراً يسهم تصنيف العلوم في التخطيط الجيد لدوائر المعارف الكبرى، التي تعتبر “حاويات ضخمة” لثقافة العصر وعلومه» (طاهر، 1991م: ص 385).

وكانت مزاولة تصنيف العلوم «تعني دربة فكرية على رؤية الأصول والفروع، وإبرازاً للقدرة على التصوّر الواضح لأنواع المقولات. وكان الجوّ مهيّأ لاستخدام تلك القدرة الفكرية في مجالين؛ أولهما الرد على تلك التفريعات الساذجة للعلم من مثل؛ العلم أربعة: الفقه للأديان والطب للأبدان والنجوم للأزمان والنحو للسان، أو مثل؛ العلم علمان: علم يرفع وعلم ينفع، فالرافع هو الفقه في الدين والنافع هو الطب. وقد تفوق في الرؤية على ما سبق: العلوم ثلاثة: علم دنياويّ وعلم دنياوي وأخرويّ وعلم لا للدنيا ولا للآخرة، فالعلم الذي للدنيا علم الطب والنجوم وما أشبه، والعلم الذي للدنيا والآخرة علم القرآن والسنن والفقه فيهما، والعلم الذي ليس للدنيا ولا للآخرة علم الشعر والشغل به» (ابن حزم الأندلسي، 1983م: ص 8 و9).

وتركت عملية التصنيف على الفكر الإسلامي آثاراً برزت في الثالوث التالي: أولاً: آثار معرفية، من أهم مظاهرها الاطلاع على الفكر التصنيفي ونقل تجربة يونان، ثانياً: آثار إيديولوجية تجلت في تقليد الفكر اليوناني ثم الإبداع الإسلامي، وثالثاً وأخيراً: آثار قيمية وتعني سيطرة حكم محدد على كيفية تصنيف العلوم وذلك ما يتراءى في تصنيف ابن حزم الأندلسي الذي بناه انطلاقاً من مبدأ المدح والذم وهما مؤشران شرعيّان (راجع: العمري، د.ت: ص 302). و«يبدو أن علم تصنيف العلوم ذو غاية تعليمية كما يبدو أن استحداثه في الإطار المعرفي الإسلامي كان في إطار منهجي معرفي تربوي. يقول الدكتور عبد المجيد النجار: ليس لاستحداثه في هذا الإطار من قبل المسلمين وفي مجال ثقافي إسلامي غاية سوى أن يكون عاملاً على بناء فكر إسلامي متقوم بحقيقة العقيدة الإسلامية» (المصدر نفسه: ص 291).

 

  1. مكانة علوم العربیة في تصنيف العلوم

إن العلوم الإسلامية عامة أخذت تستمسك في تصنيفها بما وضعه أرسطو في تصنيفه للعلوم وأخذت تتوسع وتتمدد ويضاف إليها ما يضاف إلا أن الأصل قد بقي في مكانه ولم ينزاح عن جوهره. والعلوم الشعرية وهي أبرز مضمار في العلوم الأدبية لم يصل إلينا أي شيئ منها في التصنيف الأرسطي إلا فيما ورد في الكتاب “الشعر”، والخطابة التي تلي الدرجة الثانية بعد الشعر أهمية تتعلق عند أرسطو بجناحين؛ الجدل والسياسة (راجع: سليمان، 1996م:ص 15-16).

 

5-1. تصنيف الفارابي (339ه)

يعد الفارابي (339هـ = 950م) أول منظر في تصنيف العلوم لدى المسلمين. وقد يظهر تنظيره على جانبين؛ النظري والتطبيقي. الجانب النظري يتمثل في رسالته “التنبيه على سبيل السعادة” إذ يقسم فيها العلوم إلى شقّين على أساس ما تقتضيه الموضوعات وكيفيات علاقتها بالإنسان وما يصدر عنه من الأعمال والأفعال؛ هما: العلوم النظرية والعلوم العملية (راجع: طاهر، 1991م: ص 387). «العلوم النظرية: وهي التي تحصل بها معرفة الموجودات، التي ليس للإنسان فعلها. وتشمل (علم التعاليم، والعلم الطبيعي، والعلم الإلهي). العلوم العلمية: وهي التي تحصل بها معرفة الأشياء التي شأنها أن تفعل، والقوة على فعل الجميل منها. وتشمل (علم الأخلاق، وعلم السياسة)» (المصدر نفسه). فيبدو أن مكانة علوم العربية يصطدم بفراغ كبير في هذه الرسالة ولم يصرّح بها الفارابي تصريحاً بيناً … أما قضية التصنيف فتبرز عند الفارابي باسترسال وانفتاح في كتابه الشهير “إحصاء العلوم” الذي أشاد قوائمة على خمسة فصول. تحمل في إبطيها ثمانية علوم رئيسة؛ هي: علم اللسان وعلم المنطق وعلم التعاليم والعلم الطبيعي والعلم الإلهي، والعلم المدني وعلم الفقه وعلم الكلام (المصدر نفسه: ص 388).

«علم اللسان وعلم المنطق فيضعهما الفارابي في مقدمة تصنيفه باعتبار أنهما مقدمة ضرورية لسائر العلوم: الأول لتقويم اللسان، وحفظ اللغة القومية، والثاني لتقويم العقل وتسديد خطاه نحو الصواب والحق، وصيانته من الخطأ والزلل. ومن الواضح أن هذين العلمين يردان عند أرسطو في مجموعة العلوم الشعرية التي تهدف إلى إنتاج الأعمال الأدبية» (المصدر نفسه، ص 389).

علم اللسان عند الفارابي يتفرع إلى قسمين يفوق كل منهما التقدير لأجل المساحة الواسعة التي يستوعبه:«أحدهما لحفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما، وعلم ما يدل عليه شيئ منها. والثاني علم قوانين تلك الألفاظ» (المصدر نفسه، ص 394). ومن ثمّ ينقسم إلى سبعة أجزاء؛ هي: علم الألفاظ المفردة، وعلم الألفاظ المركبة (ما يعرف الآن بالنصوص الأدبية)، وعلم قوانين الألفاظ المفردة وهي تحتوي عند الفارابي على قسمين: علم الأصوات وعلم الصرف، وعلم قوانين الألفاظ عندما تركّب؛ وهو يشتمل على قسمين؛ الأول علم قوانين الأطراف ما يسمى بعلم النحو، والثاني ما يتناول قوانين تركيب الكلمات على أنها تركيب أم ترتيب وهذا القسم يعادل علم المعاني في البلاغة العربية. والخامس علم قوانين الكتابة، وعلم قوانين تصحيح القراءة، وعلم الأشعار وقد يتناول الفارابي فيه أمور ثلاثة؛ ما يخص بأوزان الشعر، وما يخص بالقافية، وما يخص ببناء لغة الشعر(راجع: المصدر نفسه: ص 394-397).

«وهكذا نرى أن الفارابي تحت عنوان (علم اللسان) قد استغرق كل ما يمسّ اللغة وآدابها مقدماً خريطة تفصيلية لأكثر من عشرة علوم تهدف إلى إتقان الشخص للغة قومه، وحسن تصرّفه في فنونها. والملاحظ أن بعض العلوم اللسانية التي تحدث عنها الفارابي لم يجر تعميمها على نطاق واسع (مثل فن الإلقاء، وعلم الإملاء) كمل بعضها الآخر و(مثل علم النصوص) لم يفهم على النحو الذي قصده الفيلسوف» (المصدر نفسه: ص 397).

فإذا يتتبع الدارس علم المنطق عند الفارابي يستطيع العثور على موضعين يتعلقان باللغة العربية وآدابها؛ هما: الأدلة الخطابية ويقصد بها الإقناع، والأدلة الشعرية ويقصد بها إثارة الخيال.

«ومن الملاحظ أن الفارابي ـــ في أثناء حديثه عن المنطق ـــ قد أشار عدة مرّات إلى علم النحو. فمن ذلك قوله: “وهذه الصناعة (أي المنطق) تناسب صناعة النحو: ذلك أن نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ. فكل ما يعطينا علم النحو من القوانين في الألفاظ فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات» (المصدر نفسه: ص 399).

ثمة علم التعاليم يتضمن آثاراً من علم العروض والأوزان والشعر وعلم القراءة عند الفارابي لأجل استحضار علم الموسيقى فيه كالجزء السابع. «ويشتمل علم الموسيقى –عند الفارابي- على معرفة أصناف الألحان، وعلى ما منه تؤلف، وعلى ما له ألفت، وكيف تؤلف، وبأي أحوال يجب أن تكون حتى يصير فعلها أنفذ وأبلغ؟ ويقسم علم الموسيقى إلى قسمين. الأول: الموسيقى العملية وهي التي توجد أصناف الألحان، محسوسة في الآلات التي أعدت لها بالطبع (الحنجرة، واللهاة، والأنف) أو بالصفة (كالمزامير والعيدان وغيرها). أما الموسيقى النظرية فتنقسم إلى خمسة أجزاء كبرى تتناول: المبادئ، والأصول، ومطابقة ما في الأصول على أصناف الآلات، وأصناف الإيقاعات الطبيعية (أوزان النغم) وأخيراً تأليف الألحان على الأشعار. ومن المعروف أن الفارابي قد ألف في هذا الموضوع كتاباً مستقلاً يعتبر من ناحية الكم على الأقل: أضخم كتاب مخصص للموسيقى في اللغة العربية» (المصدر نفسه، ص 402).

 

5-2. تصنيف ابن النديم (380ه)

مما أسهم إسهاماً جاداً على وضع ابن النديم في قائمة المصنفين المبدعين في عملهم هو تأليفه لكتابه “الفهرست” كإنتاج بديع فما ينطوي عليه “الفهرست” هي مقالات عشرة تضمّ أصناف المعارف التي انتشرت في عصره؛ أما ما يرتبط بجهة من الجهات باللغة العربية أو آدابها فيظهر في المقالات الأربعة الأولى. فالمقالة الأولى تشمل فنون ثلاثة: الفن الأول: في وصف لغات الأمم من العرب والعجم، والفن الثاني: في أسماء كتب الشرائع المنزلة على مذاهب المسلمين، والفن الثالث: في نعت الكتاب الذي لا يأتيه الباطل وأسماء الكتب المصنفة في علومه. والمقالة الثانية تستوعب فنون ثلاثة في النحويين واللغويين فالفن الأول: في ابتداء النحو وأخبار النحويين واللغويين من البصريين والفصحاء، والفن الثاني: في أخبار النحويين واللغويين الكوفيين وأسماء كتبهم، والفن الثالث: في ذكر قوم من النحويين خلطوا المذهبين وأسماء كتبهم. والمقالة الثالثة في ثلاثة فنون تخص الأخبار والآداب والأنساب والسير. والمقالة الرابعة غطّت مجالين: الشعر والشعراء، ووردت في فنيين؛ هما: في طبقات الشعراء وصناع دواوينهم: الجاهليين والإسلاميين والمخضرمين، ثم في طبقات الشعراء الإسلاميين والمحدثين (راجع: ابن­النديم، 1381ه. ش: ص 3- 265).

«ابن النديم في الفهرست كان رائداً في مجال تقسيم العلوم وهو الذي بدأ هذه الحلقة أو هذا الدور الهام الذي يعتمد على تقسيم العلوم تقسيماً عملياً من خلال الكتب وسنجد بعد ابن النديم من يجعل تقسيم العلوم علماً قائماً بذاته، يقول طاشكبرى زاده: الذي جاء بعد ابن النديم ليكمل مسيرته هو علم تقسيم العلوم هو علم باحث عن التدريج من أعم الموضوعات إلى أخصها ليحصل بذلك مجموع العلوم المندرجة تحت ذلك الأعم» (شيخ، 2006م: ص 10).

الخطة التي خطّها ابن النديم تبدأ بالخط والكتابة وكأن هذه البداية منطلق للتعليم وأنّه يقدّم التاريخ والأدب والكلام على الفقة وهذا مما لا يتلاءم والمنطق التصنيف الإسلامي (راجع: شيخ، المصدر نفسه: ص 9).

 

5-3. تصنيف الخوارزمي (380ه)

وقد برز أبو عبدالله محمد بن أحمد ابن يوسف الخوارزمي في تصنيف العلوم بتقديم موسوعته المميزة المسماة بمفاتيح العلوم إلى العالم الإسلامي العلمي. واشتملت هذه الموسوعة على مقالتين؛ الأولى علوم الشريعة وهي تستوعب علوم العربية التي ترتبط بالشريعة. وقد ذكرها في ستة أبواب وفي اثنين وخمسين فصلاً؛ فالباب الأول يتعلق بعلم الفقة والباب الثاني بالكلام والثالث بالنحو والرابع بالكتابة والخامس بالشعر والعروض والسادس بعلم الأخبار. وأما المقالة الثانية رقّمت في تسعة أبواب وفي واحد وأربعين فصلاً فالباب الأول في الفلسفة والباب الثاني في المنطق والباب الثالث في الطب والباب الرابع في أرثماطيقي أو علم الأعداد والباب الخامس في الهندسة والباب السادس في النجوم والباب السابع في الموسيقى والباب الثامن في الحيل والباب التاسع في الكيميا (راجع: الخوارزمي، 1383ه. ش: ص 6و7). فيظهر جلياً أن ما يتعلق باللغة العربية وآدابها ينصبّ في المقالة الأولى التي تخص على رأي الخوارزمي بالعلوم الشريعة من نحو وكتابة وعلم الشعر والعروض. أما المقالة الثانية فما يرتبط فيها بالأدب هو القسم الثالث من باب الموسيقى أي ما يتعلّق بمعالجة الأوزان السائدة (راجع: المصدر نفسه: ص 231 و232).

 

5-4. تصنيف أبي الحسن العامري (381ه)

«أبو الحسن العامري (ت 381هـ) الذي مات بعد ولادة ابن سينا ببضع سنوات، فيتبنى هو الآخر تقسيم أرسطو،مع محاولة تعديله ليشمل العلوم الإسلامية. فهو يقسم العلوم إلى مقصودة لذاتها، وأخرى لغيرها، تنزل من المقصودة لذاتها منزلة الأداة، وهي علمان: المنطق واللغة. والعلوم المقصودة لذاتها يقسمها إلى قسمين: علوم حكمية وأخرى ملَّيه (أي خاصّة بالملّة الإسلامية)» (سليمان، 1996م: ص 22).

 

5-5. تصنيف ابن سينا (428ه)

أهم رسالة ابن سينا في تصنيف العلوم معنونة بـ”أقسام الحكمة” أو “تقاسيم الحكمة” أو “أقسام العلوم العقلية” تحتوي على أحد عشر فصلاً تلحقها خاتمة. وقد عرف ابن سيناء في هذه الرسالة فروع العلم الطبيعي والرياضي والهي والحكمة العملية والمنطق. ولما كانت هذه الرسالة قد وضعت في مدار العلوم العقلية وأقسامها فلايجد الدارس أثراً من العلوم النقلية كالتاريخ والكلام والفقه والتفسير والحديث أو العلوم الأدبية من أمثال الصرف والنحو والبلاغة واللغة في هذه الرسالة (راجع: كديور، 1387ه.ش : ص 35- 64).

وقد صنف ابن سينا الفلسفة في مقدمة رسالته الشفاء إلى قسمين: الفلسفة العملية والفلسفة النظرية. وقسم الحكمة الطبيعية إلى أصول وفروع إلا أن العلوم اللغوية والأدبية لا شأن لها في هذه التقاسيم. وقد وزع صاحب هذه الرسالة المنطق إلى تسعة أقسام بعد أن أزاح اللثام عن وجه هذا العلم على أنه علم آلي يمهد الأرضية المناسبة للولوج في طيات الحكمة النظرية والعملية (راجع: محقق، 1370ه.ش: ص 34). ففي خضم معالجة قسم المنطق يقع الدارس على ما يرتبط بعلم اللغة خاصة في ما تتبين فيه أقسام الألفاظ والمعاني وفيما يشمل الأقيسة الخطابية والبلاغية وفيما يتعلق بالخطاب الشعري.

ما يلفت النظر هو أن ابن سينا يقدم تفريعاً منطقياً متبايناً في رسالتيه “الإشارات والتنبيهات” ورسالته “الشفاء” ويحتظي فن الشعر كفن أدبي في كل منهما بدور متمايز. يتوزع المنطق في “الإشارات والتنبيهات” في منظومة ثنائية يندرج فيها فن الشعر في قسم “الصناعات الخمسة” وأما الشفاء الذي ينقسم فيه المنطق على تسعة أقسام فيحل فن الشعر فيه بمكانة أرقى قياساً لسابقه حيث اختصّ قسم من هذه الأقسام بفن الشعر من دون غيره من الفنون؛ فيدور مدار الحديث عن فن الشعر في ثمانية محاور هي: مطلق الشعر وأغراضه وومنشأ الشعر والأصناف الشعرية وكميتها وتلائمها مع الأغراض الشعرية، وحسن ترتيب الشعر وتركيبه، وأجزاء الرثاء، وتصنيف الألفاظ وتعانقها وأنواع الشعر وأخيراً أخطاء الشعراء ومزلّاتهم (ربيعي، 1391ه . ش: ص 8 و9).

على الرغم من أن ابن سينا لم يعر اهتماماً بالغاً بالعلوم اللغوية في تقاسيمه للعلوم إلا أنه خصص رسالة من رسائله بعلم الأصوت، هي: رسالة “أسباب حدوث الحروف” هذه الرسالة بما فيها تضاهي علم الأصوات الحديث وقد احتوت الكثير على صغر حجمها. دونت هذه الرسالة في ستة فصول، يجري الكلام فيها على النسق التالي: الفصل الأول: عن سبب حدوث الصوت والفصل الثاني: عن سبب حدوث الحروف والفصل الثالث: عن تشريح اللسان والحنجرة، والفصل الرابع عن كيفية صدور كل حرف من الحروف اللغوية والفصل الخامس أجال الحديث فيه عن حروف سمعها ابن سينا في لغات أخرى غير اللغة العربية، والفصل السادس والأخير ذكر فيه الحروف المسموعة التي تنشأ عن حركات غير نطوية (قسايمي، 2012م: ص 43).

لابن سينا رسالة عنونها بفن الشعر فهو فيها يعالج قضية المحاكاة فعند حديثه عنها يلتفت ابن سينا إلى محاكاة التشبيه ومحاكاة الاستعارة ويذكر التشابيه التمثيلية والمركبة والاستعارات المصرحة والمكنية فالمحاكاة عنده ليست إلا قضية بلاغية بحتة. أما التخييل من منظور ابن سينا قضية نفسية ينشيئها الشعر وقد يقترب إلى حد كبير إلى ما يسميه أصحاب البلاغة بـ”الإنشاء”. وفلسفة ابن سيناء تجزئ عناصر التخييل في عناصر أربعة، هي: الوزن واللفظ والمعنى والمفهوم (راجع: رضوان، 1394ه.ش: ص 116 – 121).

 

5-6. تصنيف إخوان الصفا (القرن الخامس للهجرة)

«تلا جهد الفارابي تصنيف آخر هو رسائل إخوان الصفا وهي الجماعة التي تبلورت في المنتصف القرن الرابع حيث تضمنت رسالة الصنائع العلمية من رسائلهم وجهة نظر عدت عند المهتمّين بالفلسفة الإسلامية على أنها مساهمة في علم تصنيف العلوم عند المسلمين» (العمري، د.ت: ص 293).

هذه الرسائل التي تستوعب مضامين شتى في مختلف العلوم تكوّن محطة عناية الباحثين على أنها موسوعة تحتوي على واحدة وخمسين أو اثنتين وخمسين رسالة. والرسالة الأخيرة التي عنونت بالرسالة الجامعة تضمّ جميع ما ورد في أحشاء الرسائل المصدر نفسهة من حقائق ومعارف تطول وتعرض. تفرّعت العلوم عند إخوان الصفا تفريعاً ثنائياً على أن توالي الرسائل وكيفياتها تنسيقية من قبل مؤلفيها يعد في الحسبان ويعتبر على أنه تقسيم مميز للعلوم وكيفياتها. ثم الرسالة السابعة التي تصيب الهدف مضبوط وأنها وردت لتكشف القناع عن تصنيف العلوم لدى إخوان الصفا وقد سميت بـ “في الصنائع العلمية والغرض منها” فلا يظن الظان أن المنهجية في هذين التقسيمين منهجية متماثلة بل هنالك بون شاسع بينهما (راجع: جوكار، 1394ه. ش: ص 127).

«طبعت الرسائل في أربعة أجزاء وقد قسمت إلى خمسة حقول معرفية؛ هي الرياضيات والمنطق والطبيعيات والروحانيات والإلهيات والعلوم الشرعية ويضاف إلى ذلك رسالة الفهرست وهي مقدمة الرسائل والرسالة الجامعة التي تلخّص الرسائل كلّها … كل رسالة من الرسائل تعدّ مقدمة لعلم فلسفي معين فقد شكلّت الرسائل موسوعة معرفية، لكنها تختلف عن مفهوم الموسوعة العلمية التي نشأ في القرن الثامن عشر للميلاد؛ فهي موسوعة فلسفية توافق مفهوم “موسوعة العلوم الفلسفية” عند هيجل فترتيبها ليس ترتيباً أبجدياً ولكنه ترتيب منطقي ينقلنا من علم إلى آخر خلال مسار ضروري لتربية النفس وتربية الروح» (إخوان الصفا، د.ت: ص 9).

«يقارن إخوان الصفا بين المعرفة والكتابة، فيشبّهون الحروف التي هي عناصر الكتابة بالمحسوسات التي هي عناصر المعرفة ومنها تتركّب المفاهيم، كما تتركب الكلمات من الحروف. ثم يشبهون البراهين بالنصوص. وهذا التشبيه الموازي هامٌ، لأن اللغة هي وسيلة نقل الأفكار. يستمر هذا التوازي داخل العلوم، حيث يميز إخوان الصفا بين منطق لغوي أو لفظي، سيميز علوم الدين بمفهوم الغزالي [يضع الغزالي تحت مظلة علوم الدين العلوم الضرورية لدراسة الرسالة النبوية، وهي علوم اللغة والفقه والحديث] والتي أسست على النص الديني، ومنطق معنوي، سيميز العلوم الفلسفية التي أسست على دراسات الطبيعة» (إخوان الصفا، د.ت: ص 58)

«وأما علوم المنطق فهي نوعان: لغوي وفلسفي. فاللغوي مثل صناعة النحو، والأصل المتفق عليه بين أهلها هو معرفتهم بالأسماء والأفعال والحروف وإعرابها من الرفع والنصب والخفض، ومثل صناعة الخطب التي الأصل هو معرفة السجع والفصاحة وضرب من الأمثال والتشبيهات، ومثل صناعة الشعر التي الأصل فيها معرفة المفاعيل والأسباب والأوتاد والحروف المتحركات والسواكن. فأما النظر في فروعها ومعرفة المتزحفات منها والعويص وعللها فهم فيها متفاوتو الدرجات بحسب نفوسهم، وطول دربتهم ودوام رياضتهم» (إخوان الصفا، د.ت: ص 71).

«إن للغة العربية وألحانها ثمانية قوانين هي كالأجناس لها، ومنها ما يتفرّع سائرها، وإليها ينسب باقيها، كما أنها لأشعارها ثمانية مقاطع منها يتركب سائر دوائر العروض وأنواعها، وإليها ينسب وعليها يقاس باقيها وهي: (فعولن، مفاعيلن، متفاعلن، مستفعلن، فاعلاتن، فاعلن، مفعولاتن، مفاعلتن) وأما الثمانية التي هي قوانين غناء العربية: فأولها الثقيل الأول، ثم خفيف الثقيل، ثم الثقيل الثاني، ثم خفيفه، ثم الرمل، ثم خفيف الرمل، ثم خفيف الخفيف، ثم الهزج، فهذه الثمانية هي كالأجناس أي الأساس والباقي متفرعة منها منسوبة إليها. وفي امتزاج الأصوات وتنافرها يقول إخوان الصفا أن الأصوات الحادة والغليظة متضادّان. ولكن إذا كانت موزونة على نسبة تأليفية ائتلفت وامتزجت واتحدت، وصارت لحناً موزوناً، استلذتها المسامع وفرحت بها الأرواح، وسرّت بها النفوس، أما إذا كانت غير متناسبة فتتنافر وتتباين ولا يستلذها السامع وتنفر منها النفوس وتكرهها الأرواح» (أسعد، د.ت: ص 45).

«فقد أكد إخوان الصفاء على أهمية العلوم الشرعية وجعلوها غايتهم الأساس من وراء دراستهم للعلوم وهي علم التنزيل، وعلم التأويل، وعلم الروايات والأخبار، وعلم الفقه والسنن والأحكام، وعلم التذكار والمواعظ وعلم تأويل المنامات وعبّروا عن اهتمامهم بهذه العلوم بقولهم: واعلم يا أخي أنه ليس من علم ولا عمل ولا صناعة ولا تدبير ولا سياسة مما يتعاطاه البشر هو أعلى منزلة ولا أسنى درجة، ولا في الآخرة أكثر ثواباً، ولا بأفعال الملائكة أشد تشبهاً، ولا إلى الله أقرب قربة، ولرضاه أبلغ طلباً من وضع الشرائع الإلهية» (جاسم، 2013م: ص 344).

ما يتبين من استقراء رسائل إخوان الصفا هو أنهم لم يعيروا اهتماماً بالغاً بعلوم العربية من لغة وآداب في رسائلم عامة إلا إلى علم الموسيقى الذي يفتح بابه إلى الآداب في زاوية معالجته للعروض وقد وضعوه ضمن العلوم الرياضية وبجانب العدد والهندسة والنجوم والجغرافيا وبعض الصناعات أمثال الزراعة والتجارة. إلا أن اهتمام إخوان الصفا للأدب ينصب في الرسالة السابعة أي الرسالة الجامعة؛ فإنهم يعالجون القراءة والكتابة والنحو واللغة ووالعروض والقياس ضمن العلوم الأساسية وتستوعب العلوم الدينية علم التفسير الذي يتعلق بعلم الدلالة بصلة مباشرة ثمة علم المنطق يشمل الشعر والخطابة، وهنالك الموسيقى يُدرس في الرسالة الجامعة تحت علم الحساب واستوى علم الموسيقى على سوقه وتمت دراسته بصورة مستقلة في رسالة الحساب أيضاً كما راح ذكره (راجع: جوكار، 1394م: ص 137).

 

5-7. تصنيف ابن حزم الأندلسي (456ه)

يتناول ابن حزم الأندلسي قضية التصنيف في رسائله وبالضبط رسالته الأولى التي وضعها تفصيلاً لمراتب العلوم وشرحاً لمستوياتها. وجميع الرسائل التي وضعها ابن حزم «تومئ إلى ما غلب فيه المنحى المنطقي الفلسفي» (ابن حزم الأندلسي، 1983م: ص 5). ويتَنَبَّه فيها إلى غاية واحدة هي طاعة الله سبحانه وتعالى وعمران الآخرة فأيّ علم من العلوم التي يزاوله الفرد إن كان له مصلحة أخروية فحبذا من علم وأي علم انحصرت منافعه على هذه الدنيا الدنية وأصبحت زينة يزخرف بها الإنسان نفسه أو حياته فبئسما من علم، فعلى هذه الطريقة انطلق ابن حزم الأندلسي ليقسم العلوم كافة ويوزعها فهي عنده _ مقارنة لما كان عند السلف _ على قسمين: منه ما بقي وبقيت الحاجة إليه ومنه ما دُرس رسمه ودثرت أعلامه، وهو على ثلاثة: علم السحر والطلسمات وعلم الموسيقى على ما يعهده ابن حزم من أجناسه الثلاثة؛ الطنيني الذي يؤدي إلى الانبساط، واللوي الذي يشجع النفس على الكرم والسخاء والتأليفي النسوي الذي يبعث على الحزن والبكاء. ثمة الكيمياء الذي لا يغتر به مغتر لأجل استحالة قلب جواهر الكينونات؛ فهذه العلوم لا داعي للاشتغال بها لأنها زالت وذهبت أدراج الريّاح (راجع، المصدر نفسه: ص 61).

ويرمز ابن حزم الأندلسي فيما يقسّم ويوزع من العلوم إلى الانتفاع بالعلم الذي يشتغل به الإنسان قائلاً: «وإجهاد المرء نفسه فيما لا ينتفع به من العلوم رأي فائل وسعي خاسر لأن المنتفع به في هذه الدار من العلوم إنما هو ما اكتسب به المال أو ما حفظت به صحة الجسم فقط، فهما وجهان لا ثالث لهما» (المصدر نفسه: ص 63). فالعلم من ناحية المنفعة الدنيوية على قسمين: علم يحصل به المعاش وعلم ينتهي إلى السلامة صيانتها أو إعادة لها. وعلى الرغم من هذه التجزئة الثنائية للعلوم من هذا المنظور يقول ابن حزم بانعدام فاعلية هذه العلوم لقلة فائدتها وانقضاء مفعولها عن كثب. ويرى أفضل العلوم ما يحصل بها الانتفاع في الأخرى «أفضل العلوم ما أدّى إلى الخلاص في دار الخلود ووصل إلى الفوز في دار البقاء. فطالب هذه العلوم لهذه النيّة هو المستعيض بتعب يسير راحة الأبد وهو ذو الصفقة الرابحة» (المصدر نفسه: ص 64).

ويحدد ابن حزم خطة لتعليم العلوم وصولاً إلى غايتها، بدءاً من تعليم الخط وتأليف الكلمات، ثمة تعلّم القراءة ثم تعليم النحو واللغة ويلتفت في خضم هذه الخطة إلى أهمية تعليم الشعر الذي يمتلئ حكمة وخيراً، ملحاً على التجنّب من الضروب الأربعة للشعر؛ هي: الأغزال والرقيق ثم الأشعار المقولة في التصعلك ثم أشعار التغرّب والهجاء ولا ينهى عن المدح والرثاء نهياً قاطعاً بل يراهما من المباح المكروه ويؤكد بعد ذلك على تعليم علم العدد ثم المنطق وعلم الأجناس والطبيعيّات وعوارض الجوّ ومطالعة أخبار الأمم السالفة والخالفة وقراءة التواريخ(راجع: المصدر نفسه: ص 68). فهذه هي مقدمات العلوم فبعد إحكامها ينبغي على طالب العلم من أن يجنح نحو «معرفة ما له خرج إلى هذا العالم، وما إليه يرجع إذا خرج من هذا العالم: المنطق وعلم الشريعة» (المصدر نفسه).

فالعلوم تنقسم أقساماً سبعة: عند كل أمّة وفي كل زمان وفي كل مكان هي: علم الشريعة؛ وعلم شريعة الإسلام ينقسم أقساماً أربعة: علم القرآن وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم الكلام وعلم النحو وعلم اللغة وعلم الأخبار وعلم النجوم وعلم العدد وعلم الطبّ وعلم الشعر ينقسم إلى روايته ومعانيه ومحاسنه ومعايبه وأقسامه ووزنه ونظمه (راجع، المصدر نفسه: ص 78).

ويعتقد ابن حزم «وهنا علمان إنما يكونان نتيجة العلوم التي ذكرنا إذا اجتمعت، أو من نتيجة اجتماع علمين منهما فصاعداً، وهما علم البلاغة وعلم العبارة» (المصدر نفسه: ص 80).

«والعلوم التي ذكرنا يتعلق بعضها ببعض ولا يستغني منها علم عن غيره، فأوّل ذلك أنا قد أبنّا أن غرضنا من الكون في الدنيا والمطلوب بتعلم العلوم إنما هو تعلّم علم ما أراد الله منّا، وما به أخبر عنّا وما به المخلص من هول مكاننا… والدعاء إلى الله واجب ولا سبيل إليه إلا بالخط والبلاغة ومعرفة ما تستجلب به القلوب من حسن اللفظ وبيان المعنى، ولا يكون هذا إلا بمعرفة الشريعة وباللغة وبالإعراب وبالفصاحة وحكم المنظوم والمنثور» (المصدر نفسه: ص 81).

 

5-8. تصنيف الإمام محمد الغزالي (505ه)

الإمام محمد الغزالي يصنف العلوم إلى قسمين انطلاقاً من الهدف الذي يرنو إليه؛ العلوم الشرعية والعلوم غير الشرعية (الغزالي، 2005م: ص 24). و«أما العلوم الشرعية وهي المقصودة بالبيان: فهي محمودة كلّها ولكن قد يلبس بها ما يظن أنها شرعية وتكون مذمومة فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة، أما المحمودة فلها أصول وفروع ومقدمات ومتممات وهي أربعة أضرب: الضرب الأول: الأصول: وهي أربعة: كتاب الله عز وجلّ، وسنة رسول الله عليه السلام، وإجماع الأمة وآثار الصحابة، والإجماع أصل من حيث إنّه يدل على السنة فهو أصل في الدرجة الثالثة، وكذا الأثر فإنه أيضاً يدل على السنة؛ لأن الصحابة رضى الله عنهم قد شاهدوا الوحي والتنزيل وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه، وربما لا تحيط العبارات بما أدرك بالقرائن، فمن هذا الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم، وذلك بشرط مخصوص عند من يراه ولا يليق بيانه بهذا الفن. الضرب الثاني: الفروع: وهو ما فهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها بل بمعان تنبه لها العقول فاتسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره كما فهم من قوله عليه السلام: “لا يقضي القاضي وهو غضبان” أنه لا يقضي إذا كان خائفاً أو جائعاً أو متألماً بمرض. وهذا على ضربين: أحدهما: يتعلق بمصالح الدنيا، والثاني: ما يتعلق بمصالح الآخرة. والضرب الثالث: المقدمات: وهي التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو، فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية في أنفسهما، ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة فيصير تعلم تلك اللغة آلة، ومن الآلات علم كتابة الخط إلا أن ذلك ليس ضرورياً إذ كان رسول الله أميّاً. ولو تصور استقلال الحفظ بجميع ما يسمع لاستغنى عن الكتابة، ولكنه صار بحكم العجز في الغالب ضرورياً. الضرب الرابع: المتممات: وذلك في علم القرآن؛ فإنه ينقسم إلى ما يتعلّق باللفظ كتعلم القراءات ومخارج الحروف وإلى ما يتعلّق بالمعنى كالتفسير، فإن اعتماده أيضاً على النقل؛ إذ اللغة بمجردها لا تستقل به وإلى ما يتعلّق بأحكامه كمعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنص والظاهر، وكيفية استعمال البعض منه مع البعض، وهو العلم الذي يسمى: أصول الفقه، ويتناول السنة أيضاً. وأما المتممات في الآثار والأخبار: فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأسماء الصحابة وصفاتهم، والعلم بالعدالة في الرواة، والعلم بأحوالهم ليميز الضعيف عن القوي، والعلم بأعمارهم ليميز المرسل عن المسند وكذلك ما يتعلّق به؛ فهذه العلوم الشرعية وكلّها محمودة بل كلّها من فروض الكفايات» (الغزالي، 2005م: ص 24و25).

يتميز تصنيف الغزالي بالتقييم ويبتني على نقطة واحدة هي الهدف التربوي تزكية للنفوس وسلوكاً إلى الله سبحانه وتعالى ففي هذه الرؤية تذم العلوم التي تبتعد عن الغاية الإلهية المعنية وترمى على الحائط حتى إذا كانت شرعية وقد يطلق على العلم جهلاً من هذا المنظور إذا خالف الشريعة وغاير الدين المبين. ونشأت هذه الرؤية عن فكرة إسلامية أساسها تضافر الدين بالإيمان والعمل. اصطبغ تصنيف الغزالي بالتصوف الإسلامي وأخذ يتأثر به تأثيراً كبيراً. ويشيد الغزالي صرح تصنيفه على حديث روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أن “طلب العلم فريضة على كل مسلم” فجعله ينشق إلى قسمين؛ فرض عين وفرض كفاية فجميع العلوم فرض كفاية إلا ما يؤدي إلى حصول العلم بما يجب على الشخص فهو واجب عين. والعلوم غير الشرعية إما محمودة وإما مذمومة وإما مباحة. المذمومة سحر وشعوذة والمباح تاريخ وشعر والمحمودة كل ما ينتهي إلى بمنافع الدنيا ومصالحها (راجع: عراقي، د.ت: ص 82 و83). اللغة والنحو في رؤيته من مقدمات العلوم الشرعيّة وتلعب دور المفتاح لفتح باب العلوم الأخرى. وأما متممات العلوم الشرعية في العلوم القرآنية فإما تتعلّق باللفظ وهي علم القراءات والتجويد، وإما تتعلق بالمعنى وهي علم التفسير (المصدر نفسه: ص 84).

 

5-9. تصنيف فخر الدين الرازي (606ه)

تصدّى فخر الدين الرازي لقضية التصنيف وأكبّ عليه وصبّ جزيل جهده في مؤلّفه “جامع العلوم” الذي اشتهر بـ “الـ ستيني” انطلاقاً من عدد العلوم التي تناولها هذا الكتاب. وقد تم تصنيف هذا المجهود الأنيق تلبية لطلب ملك خوارزم علاء الدين تكش ليستأنس به أصحاب البلاط وليأخذوا بأطراف كل علم من العلوم بارتياح. ويذكر الرازي في الباعث الذي حثّه على حشد العلوم في إطار “جامع العلوم” هو أنه لم يتبين للرازي أي علم أفضل وأيّها إلى الغاية أقرب، فشرع يأخذ بأطراف جلّ العلوم عقليّة أو نقليّة، أصلية أو فرعية. وقد أورد في كل علم تسع مسائل؛ ثلاثة فيما ظهر منها واستسهل وثلاثة فيما بطن واستعصى وثلاثة فيما يمتحن ويبلى. والغاية من هذا وذاك أن يعرف ما به الحاجة والافتقار فيدوّن في مداره ما يدوّن بإمعان (راجع: رازي، 1383ه. ش: ص 70 و71).

ولم يكن موضوع العلم لدى فخر الدين الرازي قضية قابعة متقوقعة في مؤلفه “جامع العلوم” فحسب، وقد طرق باب التصنيف في رسالته “الكمالية” ثمة أنه يزيح الستار عن غائية العلوم أياً كانت في مقدمة تفسيره الكبير مشيراً إلى أن العلوم بما فيها من رطب ويابس سجلت في الكتب الأربعة وملخصها استقرّ في القرآن الكريم وجوهر العلوم القرآنية يجد مأمنه في سورة الفاتحة وفي باء “بسم الله الرحمن الرحيم” ويستمر قائلاً أن العلوم إن كانت لها غاية هي قربات إلى الله سبحانه وتعالى والباء هذه للالصاق تلحق العبد لربّه (راجع: خزائيلي، 1391ه. ش: ص 41 – 46).

يوزع فخر الدين الرازي العلوم في كتابه “جامع العلوم” على جناحين؛ العلوم العقلية والعلوم النقلية. والملحوظ هو أن الحشد الغفير الذي يتضافر واللغة العربية وآدابها يثقل كفة العلوم النقلية، وهو يذكرها تحت ما أسماه بالعلوم الأدبية التي تشمل: علم النحو، وعلم الصرف، وعلم الاشتقاق، وعلم الأمثال وعلم العروض، وعلم القوافي، وعلم بدايع الشعر، وعلم البيان. وأما ما يرتبط بالآداب بصفة غير مباشرة، فهما: علم التفسير وعلم القراءات وقد ذكرهما تحت العلوم النقلية وبكلمة أدق تحت علم التفسير والقرآن.

وأما ما يتعلق باللغة العربية وآدابها ويلج في نطاق العلوم العقلية فهما: علم المنطق وعلم الموسيقى. فالأول يتعلق بالطبيعيات والثاني يتعلق بالرياضيات أي الحساب (راجع: المصدر نفسه).

 

5-10. تصنيف نصير الدين الطوسي (672ه)

يعد نصير الدين الطوسي من العلماء الفلاسفة للقرن السابع للهجرة وقد شمر عن سواعده ليخطو خطوات بعيدة في اتجاه التصنيف في ما ألفه من كتب ورسائل؛ هما: “أخلاق ناصري” و”أقسام الحكمة”.

أما “أخلاق ناصري” فينطلق فيه الطوسي من مبدأ فلسفي ليقدّم نموذجاً تصنيفياً للعلوم وقد يقسم الفلسفة إلى قسمين: الفلسفة النظرية والفلسفة العملية. والفلسفة العملية عنده تتوزع على ثلاثة أقسام: علم الأخلاق وعلم الاقتصاد المنزليّ وعلم السياسة. والفلسفة النظرية ترسم عنده في ثالوث الميتافيزيقا والرياضيات والعالم الطبيعيّ.

وما يكون محطة عناية البحث هو الضلع الثاني من هذا الثالوث أي الرياضيات إذ تتوزع عند الطوسي على فروع أربعة؛ هي: الهندسة والحساب، وعلم الفلك، والتركيب. وهذه الفئة الأخيرة تحضن “علم الموسيقى” الذي يحدد النغمات ويبيّن علاقات فواصلها بعضها مع بعض (راجع: سليمان، 1996م: ص 31-36). ومن هنا تبرز علاقة علم الرياضيات بعلوم العربية أدباً على أن الموسيقى يرتبط بصورة مباشرة بعلم العروض. العلم الذي تتبين من خلاله الأوزان الشعرية وكيفية الإيقاع فيما يقرضه الشعراء.

وقد انطلقت رسالة “أقسام الحكمة” في تقسيمها للعلوم من مسلك معهود ومذهب متبوع من قبل الفارابي وابن سينا من وضع الحكمة، الحجر الأساس لجميع العلوم فالحكمة تنقسم إلى قسمين؛ الحكمة النظرية والحكمة العملية والعملية تأتي في ثلاث شعب؛ هي: علم الأخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم السياسة. أما الحكمة النظرية فتنسكب في ثلاث تيارات، هي: العلوم الطبيعية والعلوم الإلهية والعلوم الرياضية. والرياضية تتوزع على أربعة فروع؛ هي: علم العدد، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة وعلم الموسيقى. والموسيقى في حد ذاته ينشقّ في ثنائية مخصصة إذ تستوعب علم التأليف وعلم الإيقاع (راجع: سليمان، 1996م: ص 36- 45 ). وهذا القسم يأتي في تعانق كبير وتعالق شديد وعلم العروض وهو من العلوم الأدبية المتأصلة.

ولم يفتح الطوسي باب المنطق كفرع من الفروع بل يراه أداة تساعد على استيعاب أخرى العلوم قائلاً «أن علم المنطق آلة العلوم وخادمها» (المصدر نفسه). ويرى البحث أن يدفع بالمنطق إلى أن يضعه فرعاً من الفروع التي ترتبط ولو عن بعد بالأدب العربي وذلك من جهات؛ أولاً من حيث قاطيغورياس أو المقولات وهو البحث عن المفردة الذاتية وثانياً من جهة باري إرمينياس أو العبارة، وهو عبارة عن كيفية تركيب المعاني إلى أن تحتمل الصدق أو الكذب وثالثاً: من ناحية الخطابة أو الريطوريقا وهي صناعة علمية يمكن معها إقناع الجمهور (راجع: المصدر نفسه).

 

5-11. تصنيف البيضاوي (685ه)

انتهج ناصر الدين البيضاوي، الفقيه المتكلم منهجاً مستجداً لتصنيف العلوم، في رسالته المعنونة بـ “رسالة في موضوعات العلوم وتعاريفها” وقد وزّع العلوم فيها على سبعة أقسام؛ مضيفاً إليها علم الحساب، على أنه العقد الفريد الذي تتصل به شتّى العلوم. وقد حلّ الآداب في تصنيفه المميّز مكانة سامية، حيث بدأ به وذيّله بمستويات عشرة؛ هي: علم اللغة وعلم التصريف، وعلم المعاني وعلم البيان، وعلم البديع، وعلم العروض وعلم القوافي وعلم النحو وعلم الكتابة وعلم القراءة (راجع: سليمان، 1996م: ص 49و50). بعد أن عرّفه مهتماً به على أنه «علم يعرف به التفاهم أو تخاطب بين الناس، والإفصاح عما في الضمائر بأدلة الألفاظ والكتابة؛ وموضوعه اللفظ والخط من جهة دلالتهما على المعاني؛ ومنفعته إظهار ما في نفس الإنسان من المعاني وإيصاله إلى شخص آخر» (سليمان، 1996م: ص 49). أما الأقسام الستة المتبقية فهي: علم النواميس والعلم الطبيعي، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، وعلم الموسيقى، وأخيراً علم الأخلاق (راجع: المصدر نفسه: ص 50-56).

ما يلفت النظر في هذه التفريعات السبعة؛ هو؛ أولاً: أن علم النواميس فيما يعرفه البيضاوي يكون وطيد الصلة بالأدب في مواضع أهمها: علم القراءة، وعلم التفسير.

ثانياً: أن البيضاوي يفصل علم الموسيقى عن سائر العلوم ويدرسه دراسة مستقلة بذاتها ويعرفه على أنه «علم یعرف منه النغم والإيقاع وكيفية تأليف اللحون؛ وموضوعه الصوت من جهة تأثيره في النفس؛ ومنفعته بسط الأرواح وقبضها» (راجع: المصدر نفسه: ص 56). بينما يحتمل وضع علم الموسيقى ضمن الآداب وفي دائرة علم العروض والقوافي على أنهما يدرسان النغم والأوزان أو ضمن علم المعاني الذي يدرس فصاحة الكلمات والكلام فيما يضمره.

يتمحور تصنيف البيضاوي حول ركيزة واحدة هو المنطلق الديني «حيث يرى أن العلوم الشرعية تشمل جانبين يختص أحدهما بأحكام الدين وشرائعه، ويتناول الآخر جانب اللغة وقواعدها» (المصدر نفسه: ص 66).

 

5-12. تصنيف شهرزوري (700ه)

قد تطرق شمس الدين محمد شهرزورى في كتابه “رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية” إلى الكيفيات التصنيفية للعلوم وقد خصص الفصل الثالث من رسالته الأولى إلى تقسيم العلوم وما يميز بعضها عن بعض. وهو يصنف العلوم تصنيفاً ثنائياً حيث يبين أن منها علوم آلية وأخرى غير آلية والعلوم الآلية تتوزع على فرعين؛ علم المنطق والعلوم الأدبية. ويبين أن العلوم غير الآلية هي الحكمة التي لها جناحان؛ نظري وعملي. الحكمة النظرية تحتضن العلوم الطبيعية والحساب والعلوم الإلهية والعلم الكلّي وأما الحساب فيتضمن علم الهيئة والهندسة والموسيقى والعدد وأما الحكمة العملية فهي الأخلاق والحكمة المنزلية والمدنية؛ ثم المنطق عنده يستوعب تسعة أقسام (راجع: كديور، 1387ه.ش: ص 75).

فالعلوم الآلية التي لا تطلب لنفسها أصلاً تنقسم إلى عقلية وغير عقلية. العلوم الآلية العقلية فهو المنطق والعلوم الآلية غير العقلية فهي صنفان: ما يتعلق باللسان وما لا يتعلق باللسان بل باليد والعين. فما يتعلق باللسان هو: علم الأشعار من علم العروض والقوافي وعلم اللغات والنحو والتصريف وعلم البيان والبلاغة. والعلوم الآلية غير العقلية المتعلقة باليد والعين فهو علم الكتابة (راجع: حبيبي، د.ت: ص140).

 

5-13. تصنيف شمس الدين الآملي (753ه)

يهزّ التصنيف برايته مرفرفاً أجنحته عند شمس الدين الآملي في كتابه “نفايس الفنون” حيث ألقى الأضواء على كيفيات العلوم وميادينها في هذا العمل الموسوعي. وقد يتميز تصنيفه عن سائر التصنيفات التي راح الكلام عليها قدر المستطاع في المبدئية التي انتقاها وجعلها وتداً يتكئ عليها. المبدئية الثنائية التي تنماز عن أخرى الثنائيات التصنيفية في حجر أساسها فالثنائية التصنيفية للآملي تتكوّن من مناخين: المناخ الأول يضمّ العلوم الإسلامية أي علوم الأواخر، والمناخ الثاني يحتضن علوم الأوائل أي العلوم العقلية (راجع: خزائيلي، المصدر نفسه: ص 47).

الخطاطة التي رسمها الآملي بريشته في “نفائس العلوم” تمنح حقلاً مستقلاً وفي مساحة شاسعة للعلوم الأدبية إذ هي تقع قبل كل شيئ في إطار العلوم الإسلامية أي علوم الأواخر وفي دائرة أدق في قسم الآداب وهذا القسم يحتوي على مفاصل العلوم الأدبية وأركانها من علم الخط وعلم اللغة وعلم الاشتقاق وعلم التصريف وعلم النحو وعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع وعلم العروض وعلم القوافي وعلم القريض، وعلم الشعر وعلم الدواوين، علم الأمثال وعلم الإنشاء وعلم الاستيفاد. وفي الشرعيات أي العلوم الشرعية التي اعتبرها الآملي من العلوم الإسلامية يصطدم القارئ بـ علم القراءة وهو في صلة وطيدة وعلاقة متعانقة بعلوم العربية وهنالك علم المحاورة من العلوم المستجدة التي تلتقي بعلوم العربية على ما يبدو وهي أيضاً تقع ضمن العلوم الإسلامية وتنشعب في تيارين؛ هما: علم المحاورة، وعلم الأحاجي أي علم شرح المفردات العويصة المستعصية الصعبة.

وأما الشطر الثاني من تصنيف الآملي أي علوم الأوائل تآخم علوم العربية من جهتين؛ الجهة الأولى: في علم المنطق الذي استقر في واجهة أصول الحكمة النظرية، والجهة الثانية: علم الموسيقى الذي تفرّع عن الأصول الرياضية (راجع: المصدر نفسه: ص 54).

 

5-14. تصنيف ابن خلدون (809ه)

قد تطرق ابن خلدون هذا الرجل الموسوعي إلى علم تصنيف العلوم (الببلوجرافيا) في مقدمته. «لابن خلدون تقسيمان أو نظريتان في تقسيم العلوم والمعارف، هما: التقسيم الأول: يذهب فيه إلى أن العلوم على صنفين: الصنف الأول: صنف طبيعي، يهتدي إليه الإنسان بفكره، وهي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبعه وفكره، ويهتدي إليها بمداركه، ولهذا الصنف الأول علوم أخرى إضافية كعلم المنطق. الصنف الثاني: مأخوذ عن الشارع، لا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، ثم لهذه العلوم علوم أخرى ضافية كاللغة والنحو والأدب. وبهذا تكون العلوم حسب هذا التقسيم أربعة مجموعات.

أما التقسيم الثاني: يقول فيه أن العلوم على صنفين: علوم مقصودة بالذات كالشرعيات من التفسير القرآني، والفقه والحديث النبوي الشريف، وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وعلوم هي آلة ووسيلة لهذه العلوم كاللغة العربية والحساب وغيرها» (عبد الغني، 2012م: ص10). وقد أخذ ابن خلدون طريقته في تصنيف العلوم من الكندي الذي عرف على أنه أول مصنف للعلوم عند المسلمين (راجع: المصدر نفسه). فتقع علوم اللغة العربية وآدابها في تقسيمه ضمن العلوم الشرعية أو ما يسميها بالعلوم النقلية وفي قسم مخصص لها المعنون بـ «علم اللسان العربي، وفيه: 1ــ علم اللغة الذي يضم: المجاز. وفقه اللغة. الألفاظ المشتركة. 2ــ علم النحو. 3ــ علم البيان الذي يتناول: هيئات الألفاظ. دلالة الألفاظ. علم البديع. 4ــ علم الأدب الذي يضمّ: الشعر بأغراضه المختلفة، مثل: المدح والرثاء والهجاء وإلخ. النثر بما فيه من نثر مسجوع ونثر مرسل» (المصدر نفسه: ص 12). وهنالك العلوم الفلسفية أو ما يسميها بالعلوم العقلية يتناول فيها علم المنطق وتقع الخطابة والشعر كفرع من فروع الأدب في هذا الحقل من دراسة ابن خلدون للعلوم العقلية. ويدخل الموسيقى عنده في نطاق العلوم العددية أو التعاليم تحت علم الهيئة والفلك ضمن علم استخراج مواضع الكواكب. وعلم الكتابة والأقلام والخطوط تعتبر عنده أداة للعلوم الأخرى ووسيلة للأخذ بها (راجع: المصدر نفسه: ص 15).

 

5-15. تصنيف القلقشندي (821ه)

يعد القلقشندي من الموسوعيّن الذين صبّوا غزير اهتمامهم في ساحة الأدب بصورة مميزة حيث اعتنوا بوجه من وجوه الأدب من دون غيره. فـ «يعتبر كتاب “صبح الأعشى في معرفة الإنشاء” من أفضل تصانيف القلقشندي، فيه أربع عشر مجلداً، في فنون كثيرة من التاريخ والأدب ووصف البلدان والممالك» (بومریفق، 2017م: ص 20).

«تتألف موسوعة صبح الأعشى من ستّة آلاف صفحة، رتبها القلقشندي على مقدمة وعشر مقالات وخاتمة، ذكر في المقدمة فضل الكتابة وبيان معنى الإنشاء، وآداب الكتابة، بالإضافة إلى التعريف بديوان الإنشاء وتاريخه منذ نشأته حتى زمن المؤلف وصفات الكتّاب. وفي المقالة الأولى تحدّث عما يحتاج إليه الكاتب من المواد بما فيها الأمور العلمية والعملية، وخص المقالة الثانية للمسالك والممالك منذ ظهور الإسلام حتى عهد القلقشندي، مع تفصيل شؤون مصر والشام وغيرها من المناطق المجاورة والطرق الموصلة إليها، ثم يذكر في المقالة الثالثة والرابعة والخامسة الثقافة الديوانية وأنواع المكاتبات والولايات، أما المقالة السادسة في الوصايا الدينية والمسامحات والإطلاقات والتذاكر والتحويلات، وجاء في المقالة السابع والثامنة والتاسعة الإقطاعات والأيمان وعقود الصلح وخصص المقالة العاشرة لفنون الكتابة. يختم القلقشندي كتابه بخاتمة في أمور تتعلق بديوان الإنشاء كالبريد ومطارات الحمام، وأبراجه، بالإضافة إلى مراكب الثلج والمحروقات والمناور» (المصدر نفسه).

المنهج الذي يسلكه القلقشندي في خياره لصناعة الإنشاء وجعلها بؤرته الرئيسه في كتابه هي شرافة الموضوع، مبيناً ذلك في توطئة كتابه قائلاً: «وبعد فلما كانت الكتابة من أشرف الصنائع وأرفعها وأربح البضائع وأنفعها وأنفع المآثر وأعلاها وآثر الفضائل وأغلاها لاسيما كتابة الإنشاء التي هي بمنزلة سلطانها وإنسان عينها بل عين إنسانها. لا تلتفت الملوك إلا إليها ولا تعوّل إلا عليها. يعظّمون أصحابها ويقرّبون كتّابها. فحليفها أبداً خليق بالتقديم، جدير بالتبجيل والتكريم … وأن الكتابة هي الصناعة التي لا يليق بطالب العلم من المكاسب سواها. ولا يجوز له العدول عنها إلى ما عداها، جنحتُ فيها إلى تفضيل كتابة الإنشاء وترجيحها» (القلقشندي، 1922م: ص 6).

 

5-16. تصنيف أحمد ابن يحيى بن المرتضى (840ه)

وقد تطرق احمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه “تاج علوم الأدب وقانون كلام العرب” إلى كيفيات اللغة العربية وفروعها في باب أسماه “باب ماهية العربية وأنواعها” إذ بيّن أن العربية تنسكب في رابوع تخلقه الأضلاع التالية: اللغة، والنحو، والتصريف، والمعاني. ويعرّف اللغة على أنها « العلم بألفاظ العرب ومعانيها. والنحو: يعبّر به عن القصد والمثل و«عند» و«دون». وفي الاصطلاح علم نظري بكيفية التكلم بجمل الألفاظ العربية. والتصريف: العلم بما عدا الإعراب من الأبنية وأحوال الألفاظ كالتصغير ونحوه. وطريقهما الاستقراء والقياس. والمعاني: العلم بما يمكن معه إيراد الكلام فصيحاً مطابقاً لمقتضى الحال محسّناً بأيّ وجوه التحسين. “يقول” أكثر المتكلمين: والكلام النطق بحرفين فصاعداً. النحاة وأبوهاشم: بل بمفيد مستقل. والكلمة بإجماعهم: لفظ وضع لمعنى غير إسناد. والقول: يعمّهما. وقد يعبّر بالكلمة عن جمل، نحو: ﴿وتمّت كلمة ربّك الحسنى﴾ (الأعراف، 7: 137). فإن أفادت معنى غير مؤقت ولا إضافي فاسم. والمؤقّت بأحد الثلاثة الفعل، والإضافي الحرف. إنّما يتركّب الكلام النحويّ من اسمين، أو اسم وفعل، أو متضمن له» (يحيى بن المرتضى، 2008م: ص 50 و51).

 

5-17. تصنيف طاش كبري‌زاده (968ه)

فتح طاش كبري­زاده بابه للعلوم وكيفياتها التنسيقية في كتابه “مفتاح السعادة ومصباح السيادة” وسلط الأضواء على الهدف الذي يرنو إليه بقوله: «أحببنا أن نبين في هذه الرسالة الأمور المذكورة في كل علم، أصلاً وفرعاً، ونبين أسماء الكتب المؤلفة فيها وأسماء مؤلفيها ليكون عوناً في تحصيل العلوم وترغيباً في طلبها وإرشاداً إلى طرق تحصيلها» (طاش كبري­زادة، 1985م: ص 73). وقد وضع أساساً متمايزاً لتصنيفه إذ أماط اللثام عن وجه الأس الذي تبنّاه قائلاً: «اعلم: أن للأشياء وجوداً في أربع مراتب: في الكتابة، والعبارة، والأذهان والأعيان. وكل سابق منها وسيلة إلى اللاحق، لأن الخط دال على الألفاظ. وهذه على ما في الأذهان وهذا على ما في الأعيان. ولا يخفى أن الوجود العيني هو الوجود الحقيقي الأصيل. وفي الوجود الذهني خلاف في أنه حقيقي أو مجازي. وأما الأولان فمجازيان قطعاً. ثم العلم المتعلق بالثلاث الأول آلي ألبتة. وأما العلم المتعلق بالأعيان: فإما عملي: لا يقصد به حصول نفسه بل غيره، أو نظري: يقصد به حصول نفسه فقط. ثم كل منهما إما أن يبحث فيه من حيث إنه مأخوذ من الشرع فهو العلم الشرعي أو من حيث مقتضى العقل فهو العلم الحكمي. فهذه هي الأصول السبعة ولكل منها أنواع. ولأنواعها فروع يبلغ الكل على ما اجتهدنا في الفحص والتنقير عنه بحسب موضوعاته (وأساميه) وتتبع ما وقع فيه من المصنفات إلى مئة وخمسين نوعاً… إنا نرتب الكلام في هذه الرسالة على سبع دوحات. كل منها في بيان أصل من الأصول السبعة. ثم نذكر في كل دوحة شعباً لبيان الفروع» (المصدر نفسه: ص75 و76).

«وقد وضع طاش كبري‌زاده تعريفاً محدداً لعلم التصنيف حيث عرّفه بأنّه علم باحث عن التدرج من أعم الموضوعات إلى أخصّها ليحصل بذلك العلوم المندرجة تحت ذلك الأعم ولما كانت أعم العلوم موضوع العلم الإلهي جعل تقسيم العلوم من فروعه، ويمكن التدرج فيه من الأخص إلى الأعم أو على عكس ما ذكر، لكن الأول أسهل وأيسر وقد أسماه علم تقاسيم العلوم. وقد أشار طاش كبري‌زاده إلى طريقتين في تقسيم العلوم: الطريقة الأولى: التقسيم أو التكثير من أعلى إلى أسفل أي الانتقال من العلم العام إلى العلوم الأخص التي ينقسم إليها ذلك العلم العام. الطريقة الثانية: التحليل وهي التكثير من أسفل إلى فوق أو أعلى، أي من الأخص إلى ما هو أعمّ، أي تجميع جزيئات الموضوع للوصول إلى الموضوع الكلي الذي يشمل هذه الجزئيات» (سالم، د.ت: ص 72).

أما العلوم التي تتعلق باللغة العربية وآدابها عند طاش كبري­زاده فاحتلت مكانتها في الدوحة الأولى والثانية والثالثة من الكتاب “مفتاح السعادة ومصباح السيادة” وهي كما يلي: فالدوحة الأولى وردت في بيان العلوم الخطية وتشمل مقدمة في فضيلة الخط وبيان الحاجة إليه وكيفية وضعه، وهنالك شعبتان؛ في العلوم المتعلقة بكيفية الصناعات الخطية في نحو: علم أدوات الخط، وعلم قوانين الكتابة، وعلم تحسين الحروف وعلم كيفية تولد الخطوط عن أصولها وعلم ترتيب حروف التهجّي. والشعبة الثانية من الدوحة الأولى يذكر فيه ما يتعلق بإملاء الحروف المفردة، من نحو: علم تركيب أشكال بسائط الحروف، علم إملاء الخط العربي، علم خط المصحف، علم خط العروض.

الدوحة الثانية تضمّنت علوماً تتعلّق بالألفاظ، وفيها مقدمة وعدة شعب: الشعبة الأولى فيما يتعلق بالمفردات؛ نحو: علم مخارج الحروف، علم اللغة، وعلم الوضع وعلم الاشتقاق، وعلم الصرف. وأما الشعبة الثانية فهي أتت فيما يتعلّق بالمركبات: علم النحو، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وعلم العروض، وعلم القوافي، علم قرض الشعر، علم مبادئ الشعر، وعلم الإنشاء، وعلم مبادئ الإنشاء وأدواته، وعلم المحاضرة، وعلم الدواوين، وعلم التواريخ.

الشعبة الثالثة في علوم العربية وهي عند طاش كبري­زادة تستوعب: علم الأمثال، وعلم وقائع الأمم ورسومهم، وعلم استعمالات الألفاظ، وعلم الترسل، وعلم الشروط والسجلّات، وعلم الأحاجي والأغلوطات، وعلم الألغاز، وعلم المعمى، علم التصحيف، وعلم المقلوب، وعلم الجناس، وعلم مسامرة الملوك، وعلم حكايات الصالحين، وعلم أخبار الأنبياء، علم المغازي والسير، علم تاريخ الخلفاء، علم طبقات القراء، علم طبقات المفسرين، وعلم طبقات المحدثين، علم سير الصحابة والتابعين، وعلم طبقات الشافعية، وعلم طبقات الحنفية، وعلم طبقات المالكية، وعلم طبقات الحنابلة، وعلم طبقات النحاة وعلم طبقات الحكماء، وعلم طبقات الأطباء.

وأكبر الظن أن الشعبة السادسة التي خصّها طاش كبري­زاده بالعلوم ووضع علم الموسيقى في قسمها الرابع لم تدخل في خانة اللغة العربية في شيئ ذلك أن الشعبة العاشرة التي فُصّلت فيها فروع علم الموسيقى لا تقع الناظرة فيها على ما يخصّ الأوزان أو ما يمسّ العروض بل ما يجده هي: علم الآلات العجيبة وعلم الرّقص وعلم الغنج (راجع: المصدر نفسه: ص 73 ــ 376).

 

5-18. تصنيف التهانوي (1159ه)

وقد جال التهانوي في مجال تصنيف العلوم في موسوعته القيمة “كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم” وكان الباعث على هذا العمل الفذ دافع ذاتي ورغبة نفسية واستشعار بفراغ قاتم لما يستعاض عن الأستاذ به وقد عبر التهانوي عن مقصوده في مقدمة كتابه؛ قائلاً: «وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلف كتاباً وافياً لاصطلاحات جميع العلوم، كافياً للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها كي لا يبقى للمتعلم بعد تحصيل علوم العربية حاجة إليهم إلا من حيث السند عنهم تبركاً وتطوّعاً» (التهانوي، 1996م: ص 1). وقد يعتبر هذا العمل صنيعاً بكراً وقد يتصل هذا النتاج اللغوي بما يعالجه البحث بصلة مباشرة حيث إنه موزع على قسمين؛ قسم ورد في فن الألفاظ العربية والآخر أورده صاحبه في الألفاظ العجميّة (راجع: المصدر نفسه: 2). ولم تكن هذه الموسوعة مسرداً للمصطلحات فحسب بل أبدع فيها التهانوي وحاول تيسير الكثير من المصطلحات التي استعملها وأشاد برايتها (راجع: ساكت، 1386ه.ش: ص 46). إلا أن هذا العمل الثري لا يخلو من فجوات تأتيه من حين إلى حين فـ “المبتدأ” مثلاً من المصطلحات المفتاحية في الدرس النحوي لم يخصص له المؤلف مدخلاً برأسه بل وضعه ضمن “الابتداء” ومن الواضح أن الابتداء لم يأت من الأهمية بمكان إذا قورن بالمبتدأ الذي اصطلح عليه ككلمة مفتاحية في علم النحو وهذا نموذج من المواقف التي يؤخذ على المؤلف إهمالها (راجع: كريمي، 1387ه.ش: ص 199).

ثمة المقدمة التي أهلّ بها كتابه وزيّن بها بوّابة عمله تقبّعت موضوعَ تقسيم العلوم وتصنيفها وأسفرت عن الفكرة التي تأبط بها التهانوي آنذاك فإذا به يقسّم العلوم على أنها مدوّنة وغير مدوّنة. فالأولى هي التي وضعت في الكتب ودوّنت ومنها علم النحو والصرف والمنطق والحكمة وغيرها من العلوم (راجع: المصدر نفسه: ص 3). وهنالك العلوم إما نظرية أي لا تتعلق بكيفية عمل ما وإما عملية لابد فيها من الخوض في عملية ما. ثم العلوم الآلية تعد آلة لتحصيل شيئ آخر. وغير الآلية وهي القائمة بذواتها ولم تكن قنطرة للوصول إلى أمر آخر.

وهنالك تقسيمات أخرى يذكرها التهانوي ويفصّل الأمر فيها تفصيلاً يغني المخاطب عن غيرها؛ هي: علوم العربية وغير العربية، الشرعية وغيرالشرعية، والحقيقية وغير الحقيقية، والعقلية والنقلية والجزئية وغير الجزئية (راجع: المصدر نفسه: ص 5 ــ 16).

أما علوم العربية فتنقسم عنده إلى اثني‌عشر علماً وهذه الاثناعشر تتوزع منها الأصول ومنها الفروع؛ وهي تتجلى في الخريطة التالية:

 

 

ومن العلوم الشرعية التي تعتلج وعلوم العربية على ما يبدو علمان: علم التفسير وعلم القراءة (راجع: المصدر نفسه: ص 28 ــ 43).

 

  1. اتجاهات تصنيف العلوم عامة

«ولم يكن من المستغرب أن يكون معظم القائمين بهذا النوع من النشاط مفكّرين ذوي صلات قويّة بالثقافات الأجنبية وبخاصة الثقافة اليونانية، وإذا ذكرنا أبا بكر الرازي والفارابي وإخوان الصّفا وابن سينا على المستوى الفكري النظري للتصنيف، ومحمد بن اسحاق النديم ومحمد بن أحمد الخوارزمي صاحب مفاتيح العلوم على المستوى التطبيقي العملي للتصنيف، فقد حصرنا أهمّ الذين عنوا بتلك الظاهرة ووضعوا لها أسسها الفكرية» (ابن حزم الأندلسي، المصدر نفسه: ص 7).

استتباع مسيرة عملية التصنيف الإسلامي يكشف عن نزعتان؛ هما: التيار التقليدي والتيار المتأصّل. ويأتي التقليد في الواجهة، في أمور؛ منها: كيفية التصنيف من نظري وعملي وفروعهما ثم المفاهيم الموظفة وذكر بعض المفاهيم اليونانية. ومن سمات المنحى التأصيلي؛ هي: التركيز على العلوم الشرعية وتوظيف المصطلح الشرعي ويتضح ذلك عند ابن خلدون الذي اتكأ في تصنيفه على النقل والعقل(راجع: العمري، المصدر نفسه: ص 298). و «مراعاة البعد اللغوي: ويراد به اللغة العربية لأنها اللغة التي صيغت بها هذه العلوم، فكانت العملية التصنيفية تتبع ما كتب من العلوم باللغة العربية، وهذا ما أفصح عنه ابن نديم في تصنيفه، وهذا ما يستوحى من كلامه في تصنيفه الذي اعتبره استقصاء تأريخياً للعلوم عند المسلمين؛ حيث يقول: هذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم الموجود منها بلغة العرب وقلمها في أصناف العلوم وأخبار مصنفيها» (المصدر نفسه). وما تميز بها هذا التيار المتأصل هي: الواقعية والتكامل والغائية التي ترنو إلى ذود الإسلام (راجع: المصدر نفسه: ص 300).

ومن المبادئ التي تنطوي عليها نظم التصنيف العربي الإسلامي، هي: شرف العلم والعلاقة التبادلية بين العلوم والنظام التربوي التعليمي(راجع: سالم، د.ت: ص 71).

و«باستقراء قواعد التصنيف، وأسسه التي يذكرها كل منهما يتضح أن العلاقات بين الموضوعات تقوم على الآتي: علاقة اشتمال وتبعية: وتتلخص هذه القاعدة في أن العلم الخاص يتفرع من العلم العام، فموضوع العلمين واحد ولكن تأتي معالجة كل منهما من جهة مخالفة للآخر، فينظر إلى العلم المشترك مع علم آخر في موضوع واحد نظرة مطلقة عامة، بينما ينظر إلى العلم الآخر في هذا الموضوع من إحدى جهاته…وهذه القاعدة من القواعد الأساسية التي أقرها بليس وأسماها قاعدة التفريع وقصد بها تداعي الموضوعات الأصغر من الموضوعات الأكبر بنفس القدر من المنطقية والتسلسل الموجود في الروابط بين الموضوعات الكبيرة» (سالم، المصدر نفسه: ص 73). تتجلى هذه العلاقة في تفريع ابن سينا:

 

(المصدر نفسه).

ثمة علاقة تجاور تكشف هذه القاعدة عن الخيوط العلائقية المتواجدة بين العلوم وتجعل بعضها في تآخم شديد وتآزر وطيد مع البعض وتقسيم ابن النديم للعلوم في كتابه الفهرست يعد خير نموذج للقاعدة التجاورية في التصنيف؛ ذلك أنه يضع علوم اللغة في تجاور وتعانق مع العلوم الأدبية التي تقع في جوار علوم الدين الإسلامي وهي تتربع بجانب علوم التاريخ (راجع: سالم، المصدر نفسه: ص 73). ويتجلي تصنيف ابن النديم في المخطط الهيكلي التالي:

 

(المصدر نفسه).

وهذه العلاقة تدعى في التصنيف الحديث بعلاقة ترابط تقوم بحشد الموضوعات المتجانسة في مجموعة موحّدة (راجع: المصدر نفسه).

وأما علاقة تساو فتعني استحضار علمين في صف واحد يستظلان بعلم آخر هو الأوسع منهما وهذا ما يوجد في تصنيف ابن سينا. وعلاقة تداخل «هو اندراج العلم الواحد تحت أكثر من علم لكونه يستفيد منها جميعاً؛ مما يجعله مفرعاً من أكثر من علم، ومثال ذلك في نظم التصنيف العربية نجد إدراج علم الفرائض كأحد فروع علم الحساب وأيضاً كأحد فروع علم الفقه حيث يستفيد كل منهما» (المصدر نفسه). وهنالك «تبادل الاعتماد بين العلوم: أي استفادة العلوم بعضها من بعض، وهذا واضح بين علوم اللغة وعلوم الدين فالقرآن الكريم هو المصدر الأصلي لعلماء اللغة العربية، وألفاظه الكريمة وتراكيبه اللغوية، هي المصدر الأساسي في الدراسات النحوية واللغوية، كما تستفيد الدراسات القرآنية من مباحث العلوم اللغوية والنحوية، كذلك علوم الحديث الشريف وعلوم أصول الفقه فهي أيضاً تضمّ دراسات لغوية، وهذا المبدأ برز في تصنيف ابن النديم» (المصدر نفسه). المخطط التالي يوضح مبدأ الاعتماد بين العلوم في تصنيف ابن النديم:

 

(المصدر نفسه).

ويستخلص من تصنيف علوم العربية الإسلامية مبادئ تتباين بتباين الأسس التعليمية التربوية؛ من أبرزها: مبدأ تنسيق العلوم انطلاقاً من نظام الأهم فالأهم، يمثله تصنيف الفارابي للعلوم في المخطط التالي:

 

ثمة مبدأ تقديم العلم لكونه وسيلة لعلم آخر ومن ذلك تقدم العلوم اللغوية على العلوم الدينية لأنها المفتاح الذهبي ولوجاً في طياتها. ثمة تقديم علم على آخر بهدف تمهيد الأرضية المناسبة لفهم سائر العلوم واستيعابها (المصدر نفسه: ص75). يتمثل في تصنيف الفارابي لعلم التعاليم:

والتصنيف سواء كان بهدف تعليمي تربوي أو بغرض ديني أو بهدف إحصاء العلوم والمعارف يتبنى أسساً، هي: الأس الفلسفي في تصنيف العلوم إلى النظرية والعملية ونجده عند الفارابي وابن سيناء ثم كون العلوم آلية أو غير آلية حيث العلوم اللغوية العربية آلة لفهم العلوم الشرعية الدينية واتبع الفارابي هذا النظام في إحصاء العلوم. ثم تبنّي العلوم انطلاقاً من كونها عربية أو غير عربية.

وهنالك ثالوث تصنيفي متأصل في التصنيف الإسلامي ينسكب في اتجاهات ثلاثة، هي: التصنيف الفلسفي يمثله الفارابي واتجاه تصنيف الكتب يمثله ابن النديم وأخيراً التصنيف الببليوغرافي: «یجمع هذا الاتجاه بين الاتجاهين المصدر نفسهين؛ فهو يقسّم المعرفة بناء على تصور فلسفي لواضع نظام التصنيف مع اعتماد تقسيم الموضوعات الأساسية، والعلاقات بينها بناء على الإنتاج الفكري الفعلي في الموضوع، وقد مثل تصنيف ابن الأكفاني هذا الاتجاه في كتابه إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، وتصنيف طاش كبري زادة في كتابه مفتاح السعادة ومصباح السيادة» (سالم، المصدر نفسه: ص 77).

 

  1. وقفة على اتجاهات تصنيف علوم العربیة

تحديد تموقع اللغة العربية وآدابها على سُلّم تصنيف العلوم وتقسيمه لم يعد ابتكاراً من عدم بل هنالك كلمات اعتيادية وأحاديث سائرة تشير إلى حدود هذا العلم عند عامة الناس فالرؤية العامة لهذا المجرى العلمي تراه ضمن العلوم الغائية التي وضعت ليحصل به تحسين اللسان وتقويم الكلام وهذا اقتباس من الكلام الذي شاع وراج إذ قال القائل: “النحو للسان” وهنالك من يرى الشعر وهو من فنون الأدب تافهاً لا طائل تحته لأنه عديم الفائدة في الدارين: “العلم الذي ليس للدنيا ولا للآخرة علم الشعر والشغل به”.

غير أن جولة نقدية في الكيفيات التصنيفية لدى العلماء المسلمين تكشف للمخاطب عن علاقة ثنائية لهذه التصنيفات، فشريحة منها تقترب وتتماثل وطائفة أخرى تختلف وتتباين. فالجدول التالي يبيّن الاتجاهات التصنيفية لعلوم العربية، لدى العلماء المسلمين الذين أجرى البحث فيهم قلمه في الوريقات السابقة:

 

الاتجاهات التصنيفية لعلوم العربية
إسلامية أدبية / إسلامية شرعية/ إسلامية محاورة نظرية / عملية عقلية / غير عقلية غائية / غير غائية مفيدة/ غير مفيدة/

المباح المكروه

فرض عين/ فرض كفاية آلي/ غير آلي ضروري/ غير ضروري محمود ومذموم شرعي/غير شرعي الموضوعي / الذاتي العلماء
غائية فرض كفاية آلي ** محمودة كلاهما: **

 

الغزالي
غائية *** ضروري شرعي ابن حزم الأندلسي
غير عقلية آلي ابن سينا
نظرية آلي التهانوي
آلي الطوسي
شرعي البيضاوي
شرعي الخوارزمي
ضروري الفارابي
آلي ابن خلدون
آلي ضروري موضوعي ابن النديم
إخوان الصفا
آلي شهرزوري
فخر الدين الرازي
آلي طاش كبري‌زاده
إسلامية/ أدبية الآملي
موضوعي القلقشندي
يحيى بن المرتضى
آلي أبو الحسن العامري

الجدول 1: الاتجاهات التصنيفية لعلوم العربية (1)

الاتجاهات التصنيفية لعلوم العربية
حكمية / مليّة أواخر / أوائل كتابية/ لفظية / ذهنية/ عينية آلية عقلية/ آلية غير عقلية أساسية/ دينية/ منطقية/ حسابية منطقي لغوي/ منطقيفلسفي عملية / كتابية نقلية/ عقلية/ آلية آلية /

مقصودة بالذات

الشرعية الإضافية جزئية/

غير جزئية

أصلية/ فرعية العلماء
الغزالي
ابن حزم الأندلسي
ابن سينا
جزئية ** التهانوي
الطوسي
البيضاوي
الخوارزمي
الفارابي
نقلي وآلي الشرعية الإضافية ابن خلدون
عملية كتابية ابن النديم
أساسية منطقي لغوي إخوان الصفا
آلية غير عقلية شهرزوري
نقلي فخر الدين الرازي
كتابية، لفظية، ذهنية طاش كبري‌زاده
علوم الأواخر الآملي
القلقشندي
يحيى بن المرتضى
مليّة أبو الحسن العامري

الجدول 2: الاتجاهات التصنيفية لعلوم العربية (2)

ما يتضح من استقراء هذه الخطاطة والتحديق فيها يتلخص فيما يلي:

  • إن العلماء المسلمين في تصنيفهم للعلوم وضعوا أسساً متشابهة حيث إن علوم العربية تتمحور في مدار موحّد عند طائفة كبرى من هؤلاء المصنفين العباقرة، فإنها تدخل عندهم ضمن العلوم الآلية التي تعد الأداة للولوج إلى حقول علمية أخرى. وهذا الأمر يفتح المجال لعداد علوم العربية في مسبار العلوم الضرورية التي يضطر الإنسان إلى الأخذ بها وإتقانها إتقاناً لا بأس به. إذ الارتباك العلمي في الإلمام باللغة العربية وآدابها يخلق ثلمة كبرى تحول دون مواصلة العلوم الأخرى التي تتعلق في نواتها باللغة العربية.
  • يظلّ التصنيف الإسلامي في حاجة مستمرة إلى مبدئية دينية وبناء على هذا يجد الدارس ظهور تصنيف إسلامي بحت في هذا الاتجاه تستظل اللغة العربية وآدابها بظلالها الوارفة ألا وهي ثنائية تصنيف العلوم إلى شرعية وغير شرعية وترجح كفّة العلوم الشرعية بامتياز على منافسها عند الفحص عن تموقعات العلوم التي تتعلق باللغة العربية وآدابها.
  • يتجلّى التصنيف الموضوعي بيّناً عند القلقشندي وابن النديم؛ فالقلقشندي انطلق من موضوع الكتابة ووسّعه وخلق من هذا المحور أي “الكتابة” موسوعة مترامية الأطراف واسعة المجال. أما ابن النديم فالمستوى الموضوعي يفتر عنده إذا قورن بما جاء به القلقشندي لكنه لم يزل يتسم بِسِمات التصنيف الموضوعي إذ يشتمل كتابه “الفهرست” على مقالات تخصّ موضوعاً من الموضوعات أدبية أو تاريخية أو غيرها من فقه أو كلام.
  • وما يعلو منصة هذه الواجهات التصنيفية هو ما يمكن أن نسميه بالتصنيف الشعوبي الذي تنماز فيه علوم العربية عن سائر الأمم وهذه الرؤية تطفو على السطح عند الحديث عن الاتجاه التصنيفي لدى التهانوي وطاش كبري­زادة ويحيى بن المرتضى.
  • تصبح بعض هذه الاتجاهات التصنيفية عقداً متلألأ يعرف به صاحبه من دون غيره من الآحاد؛ فابن النديم ينهج منهج العملي الكتابي في تصنيفه للعلوم فهو يغور في خضم أمهات الكتب ليبين مكانة كل علم من العلوم في طيات الكتب وأحشائها من دون أن يقدم تصنيفاً مباشراً يستروح به الباحث ويرتاح إليه توّاً. ثمة طاش كبري­زادة يرسم تياراً تصنيفياً بديعاً باستدعاء المراتب الوجودية للكينونات المتواجدة في هذا العالم فتقع علوم اللغة العربية وآدابها في الثالوث المرحلي التالي بناء على المستوى التعليمي للفرع المدروس: “الكتابي، اللفظي، الذهني” فعلم الخط العربي يلج في المستوى الكتابي وعلم النحو والصرف يدرسان على الصعيد اللفظي، والبلاغة وما يتعلق بها من معان وبيان تقترب من المستوى الذهني الممحض. أما الآملي فيبني أسس تصنيفه على كيفيات العلوم الزمنية فيوزعها على قسمين؛ فمنها ما تتعلق بما وصل إلى المسلمين من الحضارات اليونانية قبل الإسلام وسمّيت بعلوم الأوائل وما تعلّق بالحضارة الإسلامية قد أطلق عليه بعلوم الأواخر أي العلوم الإسلامية وقد تتموضع علوم العربية في قرارة هذا القسم الثاني. وإخوان الصفا وخلان الوفاء يتميزون عن غيرهم بوضعهم اللغة العربية وآدابها وما يتعلّق بها من العلوم في دائرة العلوم الأساسية التي لابد من ارتشافها حتى الثمالة وفي رؤيتهم أن هذه المعارف تتمنطق في منطقة المنطق اللغوي الذي يقابل المنطق الفلسفي.
  • يحدق الغزالي ويدقق في الكيفيات التصنيفية لعلوم العربية فلا يطلق عليها إطلاقاً محضاً ولا يرميها في جانب من اليسار أو اليمين بل يأتي في درسها باتجاه تفكيكي فريد حيث يصارح أن علوم العربية التي تجري مجرى أداة الأساس كعلم اللغة والنحو، شرعية محمودة أما علوم العربية التي لا طائل تحتها في أخذ المعارف الإسلامية من أمثال الشعر فهي غير شرعية ثمة هذا الأخير ينقسم إلى أقسام ثلاثة: محمود ومذموم ومباح، فتحل العلوم الشعرية في خانة العلوم غير الشرعية المباحة.
  • وأصبحت علوم العربية بشهادة من عمل عملاً دؤوباً وجدّ في تيار التصنيف آناء الليل وأطراف النهار، من العلوم النظرية والنقلية والآلية والشرعية والجزئية والضرورية بصورة عامة وإن اصطدم البحث ببعض الاتجاهات المغايرة لكنها لم تأت بكلمة صارخة أو دويّ داوٍ يخرق ما ألقى عليه البحث بساط رأيه.

 

  1. المبادئ التنظيمية للتصنيف الإسلامي لعلوم العربية

نسّق البحث أنظمة التصنيف الإسلامي لعلوم العربية، في الجدول التالي:

مبادئ أنظمة التصنيف الإسلامي لعلوم العربية
العلاقة اللزومية التقديم الآلي نظام الأهم فالأهم علاقة تبادل الاعتماد بين العلوم علاقة تداخل علاقة التساوي القاعدة التجاورية

(علاقة ترابط)

قاعدة التفريع العلماء
* * * * * الغزالي
* * * * * ابن حزم الأندلسي
* * * ابن سينا
* * * التهانوي
الطوسي
* * * البيضاوي
* * الخوارزمي
* * * الفارابي
* * * * ابن خلدون
* * ابن النديم
* * * إخوان الصفا
* * * شهرزوري
* * فخر الدين الرازي
* * * * طاش كبري‌زاده
* * الآملي
* * القلقشندي
* يحيى بن المرتضى
* * أبو الحسن العامري

الجدول 3: مبادئ أنظمة التصنيف الإسلامي لعلوم العربية

ما يستخلص من هذا الجدول كخريطة دالة على مبادئ أنظمة التصنيف الإسلامي يتجلى فيما يلي:

  • إن قاعدة التفريع من أكثر مبادئ التصنيف توظيفاً لدى الانقسام علوم اللغة العربية وآدابها لدى علماء المسلمين. هذه القاعدة التي تعني بالعلوم وشعبها التي تستظل بها تتواجد عند جميع من طرق البحث بابه وقام بمعالجته إلا القلقشندي وابن النديم لأنهما لم يوزعا العلوم على أقسام بل ما أهمّهما هي الموضوعات، فراحا يطوفان ويجولان في خضمهما لكن الآملي -إذا أراد البحث أن يضرب به مثلاً لقاعدة التفريع- فيفرّع من علوم العربية ثمانية وعشرين فرعاً من علم الأمثال ووالألغاز والأحاجي وغيرها من العلوم.
  • القاعدة التجاورية التي تسفر عن علاقة ترابط بين فرع من الفروع تضم جناحين من العلوم ترتبط في شيئ وتفترق في أمور، ويسمو بها ابن النديم والقلقشندي؛ فلما يسجل ابن النديم معلوماته في المقالة الأولى مثلاً، يجاور حديثه عن لغة الأمم بحديثه عن كتب الشرائع ويربطهما بعضاً لبعض وكذلك القلقشندي يدمج آداب الكتابة بتاريخ ديوان الإنشاء وكأن هذه القاعدة التجاورية تعطي يداً بيد المعطيات التصنيف الموضوعي ليس غير.
  • لا يخفى أن علاقة التساوي بين التفريعات تنبع عن مبدئية موحدة هي “قاعدة التفريع”، فأينما تفرعت العلوم ضمن علم أوسع ،كل واحد من هذه العلوم المتفرعة تتصل بكيفية متساوية بالأصل الذي تفرّعت عنه، فعليه أن هذه القاعدة أيضاً تستوعب مسافة شاسعة في تصنيف علوم العربية، .
  • علاقة التداخل وهي تعني اندراج علم واحد تحت أكثر من علم لكونه يستفيد منه كلاً منها، تلقى حضوراً فاعلاً في تصنيف علوم العربية حيث اللغة العربية تستقر في موضعين وتتضافر تضافراً متزاحماً مكتظاً فالعلوم الشعرية تارة تدرس في دائرة علوم العربية الأدبية وأخري تصبح لوناً من ألوان المنطق، أو البلاغة تارة تعالج تحت عباءة علوم العربية الآلية وأخرى يتكفل علم التفسير بدراستها ضمن علم دلالة الألفاظ القرآنية.
  • وتظهر علاقة تبادل الاعتماد بين العلوم، بين العلوم اللغوية والعلوم الدينية فهنالك علاقة تردادية بينهما؛ فاللغة تمهد الأرضية المناسبة لاستيعاب العلوم الدينية والعلوم الدينية ولاسيما ما يرتبط بالقرآن الكريم يعطي للغويات مرآة واضحة لاستشهاد بما تسرد من القواعد وتردف من الدساتير. وقد اتكأ على هذه المبدئية الغزالي وابن الحزم الأندلسي على ما علم.
  • يبلغ نظام الأهم في الأهم ذروته عند شهرزوري ثم الغزالي والأندلسي ولئن سمع حسيسه ونجواه لدى كل من قسّم العلوم إلى شرعية وغير شرعية ليبدي للمتلقي أن يهتم بالشريعة قبل كل شيئ وبعد ذلك إن أتاح الدهر له فرصة وليجول فيما يشتهي من العلوم ويرغب. وهذه المنظومة القواعدية جديرة بأن تُعلّق على واجهة التصنيف الإسلامي الذي يعتني بالعلوم الدينية وعلوم العربية على السواء جل الأحيان. فمن اعتقد فيما اعتقد أن الإلمام باللغة العربية وآدابها ضروي وشرعي وفرض كفائي قد سلك في مسلكه على هذه القاعدة ولو عن بُعد ومن دون البوح بطريقته.
  • العلاقة اللزومية هي المبدئية التي تصبح الحجر الأساس في التصنيفات التي يستلزم المصدر نفسه لإدراك اللاحق وفهمه؛ فطاش كبري­زادة خير مثال لهذه القاعدة فينهج هذا النهج من دون ريب إذ يصنف علوم العربية انطلاقاً من المراتب الوجودية دانية حتى أعلاها، فتعلّم البلاغة يستلزم معرفة النحو، واستيعاب كيفيات تراكيب الألفاظ يستلزم إتقان أصول الكتابة بالعربية.
  • أما التقديم الآلي فيصبح راية يشيد بها من قدّم علوم العربية كأداة لتعليم سائر العلوم ووسيلة للأخذ بمجاميعها سيما العلوم الشرعية.

 

  1. نتائج البحث

أهم النتائج التي تكلّل بها هذا البحث المتواضع تتلخّص فيما يلي:

  • أولاً: إن الاتجاهات التصنيفية التي استقرت علوم العربية، في قرارتها في العالم الإسلامي تبيّن أنّ هذه العلوم تتربع في واجهة العلوم الآلية قبل كل شيئ، كما أنها تعتبر من العلوم الشرعية الضرورية النقلية النظرية عند جلّ المصنفين.
  • ثانياً: الكيفيات التصنيفية لعلوم العربية تختلف عن التأطير العام المعهود، عند بعض المصنفين من أمثال ابن النديم حيث تبنى الاتجاه العملي الكتابي في تصنيفه ثمة القلقشندي الذي انطلق انطلاقاً موضوعياً مميّزاً في موسوعته “صبح الأعشى في صناعة الإنشاء”، أما طاش كبري­زادة فجعل من الفلسفة الوجودية مبدأ في تقسيمه لعلوم العربية إذ وزّعها في ثالوث: العلوم الكتابية، والعلوم اللفظية والعلوم الذهنية؛ وهنالك التصنيف الشعوبي يطفو على السطح عند التهانوي حيث وزع العلوم عامة على قسمين: عربية وأعجمية، والآملي يتمسك في تصنيفه بعنصر الزمن فيأتي بثنائية الأوائل والأواخر واضعاً علوم العربية في الشق الثاني منها.
  • أما الأسس التي أقيمت عليها أنظمة تصنيف علوم العربية فلا تعدو الحلقات القواعدية التالية: قاعدة التفريع والقاعدة التجاورية و علاقة التساوي، وعلاقة التداخل وتبادل الاعتماد بين العلوم والتقديم الآلي ثم العلاقة الملزومية التي تأتي في نهاية المطاف لقلة تواترها.
  • وخلصت الدراسة أخيراً إلى أن علوم العربية على الرغم من الأهمية التي تحتظيها والمكانة التي احتلتها في التيار التصنيف الإسلامي إلا أنها لم تعالج دراسة مستقلة ولم تكن من الأهمية على مستوى راق إذا قورنت بالعلوم الفلسفية والإلهية والطبيعية ولم يكن لها ذاك الشأن ليدعو إليها أصحاب التصنيف الإسلامي وعلمائها وهي تبقى نبراساً تضيئ الطريق للحقول العلمية الأخرى اللهم إلا فيما قلّ وندر.

 

  1. مصادر البحث
  • العربية

الأندلسي، ابن حزم (1983م). رسائل ابن حزم الأندلسي، تحقيق: إحسان عبّاس، بيروت: المؤسسة العربية.

ابن المرتضى، أحمد بن يحيى (2008م). التحقيق: محمد طاهر الحمصي، تاج علوم العرب وقانون كلام العرب، دمشق: دار سعد الدين.

ابن­النديم، محمد بن اسحاق (1381ه.ش). الفهرست، ترجمة: محمد­رضا تجدد، تهران: انتشارات اساطير.

إخوان الصفا (د.ت). رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا، تيسير: جيوم ديفو، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

بغورة، ياسين (2012م). «التصنيف الموضوعي عند علماء العربية القدامى في ضوء نظرية الحقول الدلالية (فقه اللغة وسر العربية لأبي منصور الثعالبي أنموذجاً)، مذكرة مقدمة بكلية الآداب واللغات قسم اللغة العربية والأدب العربي، الجزائر: جامعة فرحات عباس سطيف. تخصص: علم الدلالة، السنة الجامعية: 2011م – 2012م.

بومريفق، حكيمة، وسهير بوراس (2017م). «أدوات الكتابة من خلال صبح الأعشى للقلقشندي»، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماستر الآكاديمي، جامعة محمد بوضيات المسيلة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تخصص: قرون الوسطى، السنة الجامعية: 2016م – 2017م.

التهانوي، محمد علي (1996م). موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق: علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية: عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية: جورج زيناتي، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.

جاسم، عبد الستار نصيف (2013م). «المجتمع والدولة والتربية والتعليم عند إخوان الصفا وخلان الوفاء»، مجلة كلية التربية الأساسية: جامعة بابل، العدد: 14، ص 329 ــ 351.

سالم، ناهد محمد بسيوني (د.ت). منطق تصنيف العلوم في نظم التصنيف العربية الإسلامية: قراءة تحليلية مقارنة بنظم التصنيف الغربية الحديثة، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية: جامعة السلطان قابوس، ص 69- 78.

سليمان، عباس محمد حسن (1996م). تصنيف العلوم بين نصير الدين الطوسي وناصر الدين البيضاوي، بيروت: دار النهضة.

طاش كبري­زاده، أحمد بن مصطفى (1985م). مفتاح السعادة ومصباح السيادة، بيروت: دار الكتب العلمية.

طاهر، حامد (1991م). نظرية تصنيف العلوم عند الفارابي، لولية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد التاسع، صص 385- 416.

عبد الغني، مصطفى يسري (2012م). ابن خلدون: مصنفاً للعلوم والمعارف، مؤتمر: ابن خلدون: علامة الشرق والغرب، فلسطين ــ نابلس: جامعة النجاح الوطنية. كلية الآداب قسم علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية.

العمري، مرزوق (د.ت). «تصنيف العلوم عند المسلمين»، مجلة الجامعة الأسمرية، العدد 16، السنة 9، 289- 303.

الغزالي، الإمام أبي حامد محمد بن محمد(2005م). إحياء علوم الدين ومعه المغني عنه حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء ومنه الأخبار للعلامة زين الدين أبي الفضل العراقي، بيروت: دار ابن الحزم.

قسايمي، نسيمة (2012م). «المصطلح الصوتي عند ابن سيناء في ضوء الصوتيات الحديثة، رسالة “أسباب حدوث الحروف” أنموذجاً»، البليدة: كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، قسم اللغة العربية وآدابها، مذكرة ماجستير، التخصص: لغة. أفریل.

القلقشندي، الشيخ أبو العباس أحمد (1922م). صبح الأعشى، القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية.

  • الفارسية

جوکار، حامد (1394ه.ش). دو گونه طبقه­بندی علوم در نگاه اخوان الصفا وخلّان الوفا، مجله معرفت فرهنگی اجتماعی، سال هفتم، شماره اول، ص 123 ـــ 138.

خوارزمي، ابو عبد الله محمد بن احمد بن يوسف (1383ه.ش). ترجمه مفاتيح العلوم، المترجم: سيد حسين خديو جم، تهران: شرکت انتشارات علمی و فرهنگی.

حبيبي، نجف­قلى (1374ه.ش). «مبانى تقسيمات علوم به انضمام رساله “تقاسيم العلوم” شهرزوري»، مجله مقالات و بررسى­ها، شماره هفتم، بهار، ص 132 ـــ 165.

خزائيلي، محمد باقر، واصغر منتظر القائم، وحسين مير جعفری (1391ه.ش). «بررسی مقایسه­ای طبقه­بندی علوم از دیدگاه فخر الدین رازی وشمس الدین آملی»، مجله مطالعات تاریخ اسلام، شماره: 13، سال چهارم، تابستان، ص 38-65.

الرازي، فخر الدين (1382ه.ش). جامع العلوم “ستّيني”، تصحيح: سيد على آل‌داود، تهران: بنياد موقوفات دكتر محمود افشار.

ربيعی، هادی (1391ه.ش). «تأملى در باب فن شعر ابن سينا»، فصلنامه كيمياى هنر، شماره: 4، سال اول، ص 8-16.

رضوان، هادی (1394ه.ش). «تأثير حكمت سينوى بر نظريه شعر عربى (مطالعه موردی منهاج البلغاى حازم قرطاجنى)»، مجله ادب عربى، شماره 1، سال 7، بهار وتابستان، ص 111-128.

ساكت، محمد حسين (1386ه.ش). دیباچه­ای بر دانشنامه‌نویسی در شبه قاره با نگاهی ویژه بر کشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم تهانوی، مجله آینه میراث، دوره جدید، سال ششم، شماره اول، بهار، پیاپی40، ص 33 ــ 48.

شريعت­پناهی، سید­ماهیار (1393ه.ش). «دانش طب و طبقه­بندی علوم در تمدن اسلامی»، فصلنامه تاریخ فرهنگ و تمدن اسلامی، شماره 14، سال پنجم، بهار، ص 33- 50.

عراقي، احمد طاهري (1393 ه.ش). «تقسيم‌بندی علوم از نظر غزالی»، مجله معارف: پژوهشگاه علوم انسانی ومطالعات فرهنگی، ص 81- 89. شماره 3.

کریمی، محمد (1387ه.ش). «معرفی و بررسی موسوعه کشاف اصطلاحات الفنون والعلوم»، مجله معارف عقلی، شماره 9، بهار، ص 187- 201.

كديور، محسن (1387ه.ش). «ابن سينا وطبقه­بندى حكمت، تحليل، تحقيق وتصحيح»، دوفصلنامه جاودان خرد، شماره اول، سال پنجم، دوره جدید، زمستان، ص 35 – 102.

محقق، مهدي (1370ه.ش). «تقسيم‌بندی علوم از نظر دانشمندان اسلامی»، فصلنامه سياست، شماره اول، بهار، ص 28- 37.

ج. المواقع الإلكترونية

أسعد، شيماء غازي (2016م). «الموسيقى عند إخوان الصفا: المعنى ودلالات»، المقالة مأخوذة من الموقع:

https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=124936

شيخ، ولاء (2006م). «التصنيف عند ابن النديم»، المنتدى العام للمكتبات والمعلومات، المأخوذ في تأريخ: 20/Jun/ 2006م.

 

 

error: هذا الموضوع مسدود